الثورة ـ ترجمة ختام أحمد:
لم تكن أي إدارة ديمقراطية على استعداد لتحدي تجاوزات السياسة الإسرائيلية، وإدارة بايدن ليست استثناءً.
فقد أشار احتضان الرئيس جو بايدن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد أيام قليلة من هجوم “حماس” في السابع من تشرين الأول إلى أن السياسة الأميركية ستكون منحازة.
والأسوأ من ذلك أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن وصل إلى “إسرائيل” في الثاني عشر من تشرين الأول، وقال إنه لم يكن هناك بصفته وزيراً للخارجية فحسب، بل “كيهودي”. وبناءً على ذلك، كانت الولايات المتحدة متواطئة في كل جانب تقريباً من جوانب حملة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، فضلاً عن إهمالها في قبول سياسات “إسرائيل” الوحشية ضد الفلسطينيين الأبرياء في الضفة الغربية.
إن الصمت الأميركي في أعقاب الانفجارات القاتلة التي ضربت أجهزة النداء واللاسلكي في مختلف أنحاء لبنان يشكل مؤشراً آخر على عدم رغبة الولايات المتحدة في إدانة الأعمال الإرهابية الشنيعة التي ترتكبها “إسرائيل”.
ويواصل الدبلوماسيون الأميركيون والمتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي الزعم بأن جهودهم منعت اندلاع “حرب شاملة” بين “إسرائيل” ولبنان، ولكن هذا لم يكن الحال على الإطلاق. ولا يبدو أن مقتل وإصابة المئات من اللبنانيين الأبرياء، بما في ذلك الأطفال والعاملين في مجال الرعاية الصحية، يشكل “أعمالاً حربية”.
وفي الوقت نفسه، يزور بلينكن مصر لحث “جميع الأطراف” على تجنب الخطوات التي قد “تزيد من تصعيد الصراع الذي نحاول حله”.
ومن الواضح أن بلينكن لا يدرك أن الإسرائيليين يتجاهلونه، وأن تصريحاته الطائشة لم تسفر إلا عن إحراج الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فضلاً عن الساحة العالمية الأوسع نطاقاً.
في غضون ذلك، تستعد هيئات الرقابة الحكومية في وزارتي الخارجية والدفاع لإصدار بيانات من شأنها توثيق تصدير أسلحة أميركية بمليارات الدولارات تنتهك القوانين التي تحظر نقل المساعدات العسكرية إلى دول ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان وتعيق حركة المساعدات الإنسانية. وتوثق بيانات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية هذه الانتهاكات، ونتيجة لذلك بدأت دول (مثل بلجيكا وبريطانيا وكندا واليابان وهولندا وإسبانيا) في تقييد تدفق الأسلحة إلى “إسرائيل”.
وبصرف النظر عن التوقف في شحنة واحدة من قنابل MK-84 شديدة التدمير التي يبلغ وزنها 2000 رطل في حزيران، والتي لم يكن ينبغي تسليمها لإسرائيل في المقام الأول، لم تتخذ إدارة بايدن أي إجراء لتقييد زيادة الأسلحة الأميركية إلى “إسرائيل”. ونحو 70 في المائة من الأسلحة المستخدمة ضد غزة ولبنان تأتي من المخزونات الأميركية.
قبل خمسة أشهر، انتقد تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية “إسرائيل” لفشلها في حماية المدنيين في غزة، لكن التقرير تجنب استنتاج أن إسرائيل انتهكت أي قوانين، وبالتالي لم يضع أي ضغوط على إدارة بايدن لتقييد الأسلحة لإسرائيل. ووصف المحامي السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، برايان فينوكين، التقرير بأنه “مخفف” و”مُدعَم قانونياً” بشكل كبير.
ولقد وصفت فرقة عمل مستقلة التقرير بأنه “مضلل عمداً دفاعاً عن أفعال وسلوكيات من المرجح أن تنتهك القانون الإنساني الدولي وقد ترقى إلى جرائم حرب”.
وقد تم تسليم التقرير إلى الكونغرس في وقت متأخر من ظهر يوم الجمعة، وهي الآلية التي تستخدمها الوكالات الحكومية عادة لتقليل التأثير العام للإعلان.
وقد نفى المتحدث باسم مجلس الأمن القومي كيربي، الذي ينحني باستمرار أمام “إسرائيل”، أن يكون التأخير في التوقيت له أي دوافع “شريرة”. كما فشل التقرير في الإشارة إلى أن نمط الهجمات الإسرائيلية على قوافل المساعدات الإنسانية كان إما متعمداً أو مؤشراً على عدم الكفاءة المتهور. والواقع أن الإسرائيليين ليسوا غير أكفاء، لذا يمكنك استخلاص استنتاجاتك الخاصة.
إن السيناتور كريس فان هولن (ديمقراطي/ماريلاند) هو أحد أعضاء مجلس الشيوخ القلائل الذين يؤكدون على ضرورة محاسبة “إسرائيل”. وقال فان هولن: “إذا كان سلوك “إسرائيل” يتوافق مع المعايير الدولية، فليساعدنا الله جميعاً”. ويحظر قانون المساعدات الخارجية بوضوح تقديم المساعدة العسكرية لأي دولة تقيد المساعدات الإنسانية، وهو ما تم توثيقه بشكل كافٍ.
لقد كان استمرار الاضطهاد الإسرائيلي للمجتمعات الفلسطينية والعربية واضحاً منذ البداية. فقد كان تهجير المجتمع الفلسطيني مخططاً له حتى قبل إعلان قيام ” إسرائيل”.
ولقد أثبت تورط “إسرائيل” السري في حرب السويس في عام 1956 للدول العربية أن “إسرائيل” كانت جزءاً من التجربة الاستعمارية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط. ولم تبذل “إسرائيل” أي جهود للإشارة إلى اهتمامها بجعلها جاراً شرعياً للمجتمع العربي.
لقد أحدث الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 كابوساً استراتيجياً بالنسبة لإسرائيل استمر قرابة عقدين من الزمان. ففي محاولة لسحب الكستناء الإسرائيلية من النار التي أشعلتها، تكبدت الولايات المتحدة خسارة عدة مئات من الجنود والدبلوماسيين الأميركيين.
ولقد وضع الرئيس رونالد ريغان القوات الأميركية في خطر دون حماية كافية، ثم فشل في الرد على العمل الإرهابي على الرغم من المعلومات الاستخباراتية الحساسة التي حددت هوية الجناة. وقد قبل نائب مستشار الأمن القومي في عهد ريغان، الكولونيل روبرت ماكفارلين، اللوم علناً على الافتقار إلى تدابير الحماية.
إن الأعمال العدائية الحالية في غزة والضفة الغربية لها مقدماتها الخاصة.،فقد ظل الإسرائيليون يصرون دوماً على أن فلسطين “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، الأمر الذي جعل من المحتم أن يندلع صراع عرقي وحشي.
وفي مقال كتبه في مجلة “نيويورك ريفيو أوف بوكس”، لاحظ الكاتب الإسرائيلي ديفيد شولمان أن الإسرائيليين أنكروا “الوجود الحقيقي لشعب فلسطيني يتقاسم الأرض مع اليهود ولكنه محروم من حقوقه، ولا يتمتع بأية وسيلة قانونية، بل ويفتقر إلى أي حقوق إنسانية أساسية، وهو ما يؤدي حتماً إلى العنف والعدوان”.
والواقع أن الإنكار الإسرائيلي يشكل مرضاً لا يبدو أن له علاجاً.
من الواضح تماماً أن استراتيجية نتنياهو هي القضاء على “حماس وحزب الله “بغض النظر عن التكلفة التي قد يتحملها الرهائن الإسرائيليون أو المدنيون الفلسطينيون واللبنانيون.
تواصل وسائل الإعلام السائدة الإصرار على أن الولايات المتحدة ليس لها نفوذ كبير على إيران وحزب الله ولكنها تمارس نفوذاً كبيراً على “إسرائيل”. إن استخدام مثل هذا النفوذ من شأنه أن يتضمن الحد من نطاق ووتيرة شحنات الأسلحة الأمريكية في أقرب وقت ممكن، ولكن لا توجد علامة على أن إدارة بايدن ستتخذ مثل هذه الخطوة.
المصدر – كاونتر بانش