تمرض النفس كما الجسد بل أمراضها أصعب من أمراضه بكثير و تحتاج الى علاج ودواء خاصة اذا ما تعرضت النفس البشرية لضغوطات هائلة من تعب وانهيار فهي بحاجة الى مزيد من العناية الصحية وكثير من الحب والصبر.
ليس غريبا أن تنتشر الأمراض النفسية في معظم البلدان لكنها تتفاقم اكثر في بنية المجتمعات كافة و خاصة تلك التي عانى ابناؤها من ويلات الحروب لفترات من الزمن, وقد كان لبلدنا نصيب كبير من ويلات وتداعيات الحرب التي شهد فيها أبناء المجتمع ما يعجز عن وصفه اللسان ، نظرا لفظاعة ما ارتكب من جرائم وإرهاب على جميع المستويات .ماجعل المرض النفسي يظهر لدى العديد من الناس الذين تعرضوا لقتل وخطف ،او حسب البيئة والتربية الذين عاشوا فيها،حيث بات البعض يخجل من وصفه بالمريض النفسي،طالما يعتبره البعض الآخر ،وصمة عار وجنون.
الاستاذ الدكتور يوسف لطيفة رئيس الشعبة النفسية بمشفى المواساة الجامعي بين في حديث معه ,أن المريض النفسي هو انسان يعاني من خلل ما بجسده وهو ليس وصمة عار كما يقال على المريض أو أهله إنما هو داء أصابه ومن المفروض أن يتجه إلى علاجه ويتماشى مع المرض ذاته وأن يحرص على متابعة العلاج ،منوها أنه يوجد في مشفى المواساة شعبة نفسية تم ترميمها وتوسيعها منذ ثلاث سنوات و تضم حاليامايقارب ال 20 سريرا.
و تخدم هذه الشعبة أيضا مرضى من المحافظات كافة وتستقبل جميع الحالات الخفيفة والمتوسطة ما عدا الحالات المزمنة جدا التي تتطلب مشفى مغلقا، بينما حالات الاكتئاب والقلق وحالات الوسواس القهري و الفصام والإدمان كل هذه الحالات يمكن أن يجري لها قبول في مشفى المواساة وتعالج في المشفى .
وأوضح الدكتور لطيفة أن مشفى المواساة يقدم خدمات ممتازة للمرضى من حيث الإقامة والخدمات التمريضية والنفسية والأدوية كل ذلك بمستوى جيد , بالإضافة لوجود طاقم تمريضي وطبي مؤلف من عشرة أطباء اختصاصين دراسات عليا للاهتمام بالمرضى على أكمل وجه .
الحالات الشائعة
وفيما يتعلق بالحالات الشائعة مثل الاكتئاب أو اضطراب الفصام و حالات الهوس و الإدمان وهي بالطبع غالبية الحالات التي تأتي الى المشفى من أجل العلاج ،أشار الدكتور لطيفة إلى أن الاكتئاب بات مرضا شائعا في بلدنا كغيره من البلدان الأخرى ،إلا الواقع الذي فرضته الحرب قد زادت من معاناة مرضى الاكتئاب , من حيث التعب الشديد والوهن العام الذي يشعر به المريض بداخله ،من حزن ونظرة تشاؤمية للمستقبل ولا يوجد شيء يمنحه المتعة والسعادة ،كما انه يشعر بتعب صباحي وإهمال للحاجيات اليومية ،ويبين لطيفة انه يمكن لمريض الاكتئاب أن يترك عمله، أو دراسته حين تشتد حالته لدرجة تجعله يتمنى الموت فيفكر بالانتحار . وينقطع لديه الأمل نهائيا بأي شيء.
وفي هذه الحالات يؤكد لطيفة أنه يمكن للمرضى أن يراجعوا المشفى ويتم قبولهم فيها بغية مراقبتهم وإعطائهم الأدوية اللازمة إلى حين تحسن أوضاعهم، بعدها يتم تخريجهم مع التشديد على الاستمرار بالعلاج و مراجعة العيادة النفسية في المشفى .
أما في حالات الاكتئاب الخفيف أو المتوسط فهؤلاء لا يقبلون بالمشفى وإنما يتم إعطاؤهم الأدوية عن طريق العيادة بشكل دوري ومنظم.
وفيما يتعلق بمرض الفصام فقد عرفه الدكتور لطيفه بأنه مرض اضطراب نفسي أو عقلي يتميز بوجود اضطراب التفكير حيث المريض يصبح لديه هلوسات سمعية، بمعنى يسمع اصواتا وكذلك هلوسات بصرية ،ويرى أمامه اشياء غير موجودة وعنده قناعة تامة في كل مايتصوره. ويمكن أن يصبح عنده توهم بأن الناس تراقبه وترغب بإيذائه فيصبح لديه خلل بالتفكير ،ويكون المريض غير واع وغير مدرك لما هو فيه، هذه الحالات الشديدة يتم قبولها بالمشفى أما في الحالات الخفيفة فيتم اعطاؤه الدواء المناسب له ولحالته في البيت كما ذكر آنفا
وتابع الدكتور لطيفة أن الحالة الثالثة التي يتم استقبالها في المشفى وهي اضطراب ثنائي القطب أو الهوس هي حالات هياج زائدة ،يشعرفيها المريض بأفكار وتوهم بالعظمة ، وأن لديه قدرات خارقة ،ويصبح نومه قليلا، ويحكي كثيرا ،ويروي أحاديث عديدة ومتنوعة،
ويوضح الدكتور لطيفة أن الحالة الرابعة التي يستقبلها المشفى هي الإدمان الشديد ،مؤكداً ان الضغوطات السلبية التي فرضتها بشاعة الحرب على جميع الأصعدة قد ازدادت هذه الحالات اكثر من 15 بالمئة عما كانت عليه قبل الأزمة، ومنها إدمان على الحشيش أو الحبوب المخدرة والهيرويين و بعض الأدوية المهدئة وهؤلاء المرضى يدخلون المشفى ويجرى لهم حالة سحب أو فطام، وبعد تحسنهم يتم تخريجهم.
أسباب الأمراض النفسية
الدكتورة لانا سعيد الاختصاصية في الطب النفسي ،»طبيبة مشرفة بمشفى المواساة الجامعي» ذكرت أن من أولى أسباب الأمراض النفسية هو السبب الوراثي والاستعداد الذاتي عند الشخص نفسه، نتيجة عوامل وراثية و خلل بالنواقل العصبية بالدماغ وهذا الخلل يظهر بعمر معين وذلك حسب كل مرض يتعرض له الشخص .والأمر الآخر هي العوامل البيئية والتربوية والعوامل الاجتماعية التي تحرض المرض وتزيده أو تخففه .مشيرة أن الأمراض النفسية قد تكون سببا ثانويا لأمراض عضوية مثل «قصور غدة درقية ،فرط نشاط الدرق» وأسباب غدية وأمراض مزمنة مثل «السكري و الضغط و ارتفاع التوتر الشرياني» بالإضافة إلى الأمراض الكبدية والرئوية ،هذه الأمراض جميعها يمكن أن تكون سببا في ظهور الأعراض النفسية والاكتئاب لدى المريض .الا أن أمرا لا يمكن تجاهله برأي د سعيد وهو فعل الادمان الذي يعد مسببا للعديد من الأمراض النفسية ،و أن تناول بعض الأدوية المعينة قد تسبب خللا على المدى الطويل وذلك لأن المريض النفسي يحتاج إلى تناول ادوية على فترات طويلة قد تستمر لسنوات كي يتم علاجه منها .
وتوضح الدكتورة سعيد أن عيادة مشفى المواساة النفسية تستقبل على مدى يومين بالأسبوع المراجعين وعددهم حوالي 20الى 30 مريضا يوميا و يتم قبولهم مع مرافق، ولا يمكن قبول المريض بلا مرافق إلا بحالة الهياج،حيث يشرف على تهدئته الأطباء والممرضون مشيرة أن الأدوية موجودة بالمشفى ويتم وصفها للمريض بحسب حالته التي يعاني منها ،مع ملاحظة وجود ادوية خارجية يأتي بها المريض على حسابه ،بسبب ظروف الحرب والحصار المفروض على شعبنا،الذي أدى إلى فقدان بعض الأدوية في بلدنا وانخفاض نسبةالأدوية التي يحتاجها المرضى إلى 10 بالمئة فقط .وهذا ما زاد على المريض النفسي أعباء مادية إضافية نظرا لغلاء الأسعار.
وعن نسبة المرضى النفسيين من الأطفال قالت سعيد إن مشفى المواساة لا يستقبل الأطفال نظرا لوجود عيادة نفسية في مشفى الأطفال وطلاب الدراسات العليا المختصون بالطب النفسي هم من يتابع العيادة في المشفى و تستقبل الأطفال ما دون عمر ال١٣ عاما،حيث يختلف عدد الاطفال الذين يزورون العيادة و ذلك حسب فترات العام , ففي بداية أيام المدرسة قد تصل الى العشرين طفلا بسبب ان بعض الأهالي، يعاني أبناؤهم من فرط نشاط،أو قلة انتباه،ما يزيد من زيارة الأطفال للعيادة النفسية .فيما تصل بالمتوسط خلال ايام السنة إلى عشرة أطفال .
تعليمات لأهالي الأطفال
توضح الدكتورة سعيد انه بالمشفى لا يوجد معالجون نفسيون وأغلب الأطفال هم بحاجة إلى علاج نفسي حتى يتم شفاؤهم نهائيا من المرض، لذلك نحيل هؤلاء إلى أماكن فيها معالجون نفسيون للمساعدة في إتمام علاجهم منها ماهو مأجور ومنها ما هو مجاني، وهذا كله يسبب عبئا ماديا،لذلك نحاول إعطاء المريض تعليمات إرشادية بشكل عام ،وليس كعلاج تخصصي .منوهة بأن المشفى قام بعدة محاولات للتعاقد مع معالجين نفسيين لكنها الى اليوم لم يتم التعاقد رغم أن المشفى بحاجة كبيرة إلى هذا الإجراء .
وأخيرا على الجميع ,أهالي ومرضى عدم إهمال أي مشكلة أو حادث يتعرض له الشخص نفسه أو أحد أفراد أسرته والتعامل بحب ومودة واحترام مع بعضنا البعض فهي لها دور كبير بإعادة تركيب اجزاء الروح المتناثرة بسبب الضغوط النفسية التي يعاني الجميع منها هذه الأيام. وبالتالي لا بد من العمل وبجد لتغيير نظرة الناس للمرضى النفسيين واعتبارهم كالمرضى المصابين بمرض جسدي و ليس وصمة عار على من يصيبه.
ميساء العجي
التاريخ: الأربعاء 29 – 1 – 2020
رقم العدد : 17180