الثورة أون لاين – غصون سليمان
حين تترجم بعض نتاج التاريخ في مساحة لامتناهية من الصور الإنسانية والعبارات المعرفية ، وحين تدفىء مشاعرك بإحساس العطر وزخم نبض الحروف والكلمات المتفاعلة ، تدرك حقيقة وأهمية كيف لك أن تغوص بعمق الانتماء لتدرك وأنت تتكىء على وسائد الوعي كم هو مضيء أصلك وفصلك أيها السوري النبيل العابر للزمان والمكان وكل مصطلحات التطييف والعرقنة .
في مكتبة الأسد الوطنية كانت طقوس الاحتفالية بمناسبة افتتاح فرع دمشق للجمعية العلمية التاريخة السورية بمستور التحدي والإصرار ، وبرنامج احتفالي غير تقليدي أول أمس بحضور أعضاء الجمعية من المثقفين والباحثين والمهتمين من مختلف الاختصاصات من المحافظات السورية كافة .
عن دور الجمعية وأهدافها ورسالتها تحدث مؤسس ورئيس الجمعية الدكتور عز الدين علي أستاذ مادة التاريخ في جامعة تشرين وبشيء من التفصيل منذ بداية فكرة إنشائها مع بداية الحرب العدوانية على بلدنا عام ٢٠١١ ، وتم إشهارها بالقرار رقم ١٧٦٩ تاريخ ١/٩/٢٠١٤ ، أي إنها ولدت من رحم الألم في خضم الأحداث والمعاناة ، متخذة شعارا لها “على المحبة نلتقي لنرتقي بالعلم والعمل ” .
وأوضح الدكتور علي أنه أطلق على الجمعية اسم العلمية لأنها اتخذت العلم منهجاً ، والتاريخية ، لأن التاريخ وعاء جامع للعلوم والمعارف كافة ، لذا تهدف الجمعية إلى نشر العلم والثقافة والمعرفة ، والمحافظة على الآثار والأوابد التاريخية ، والقيام بالأبحاث والدراسات المختلفة ، وتقديم المحاضرات والندوات الثقافية ، وإصدار النشرات الدورية ، والقيام بالرحلات ذات الطابع الثقافي الترفيهي البحثي ، والتعاون مع الجهات المختصة لتطوير الجمعية والارتقاء بها ، والمساهمة في إعادة بناء الإنسان السوري على القيم الأصيلة
.
وبيَّن علي أنه إضافة إلى الأعضاء المنتسبين للجمعية من الاختصاصات كافة فإن لديهم أعضاء شرف مشهود لهم بوطنيتهم وانتمائهم وعروبتهم من معظم الأقطار العربية ، مؤكداً أننا دخلنا ساحة المعركة بسلاح العلم والفكر البناء وذخيرة الكلمات الطيبة الجامعة ، وأردنا أن يكون لنا دور في إعادة بناء الإنسان ، وترسيخ رسالة الإنسان السوري الأصيلة المستمدة من رسالة أجدادنا القدماء ، كرسالة الإله بعل الموجهة للإنسان السوري قبل ٥٥٠٠ عام ، حيث وجدت مكتوبة على حجرة في أوغاريت شمالي اللاذقية حوالي ١٢كم ، كتب عليها “ أيها السوري حطم سيفك” دعوة إلى وقف القتال ، و” تناول معولك ” دعوة إلى العمل ، “ واتبعني لنزرع ” أي زرع المحبة والسلام في كبد الأرض ، وهي من أرقى الرسائل الإنسانية في تاريخ البشرية كما وصفها مؤسس الجمعية ، وهناك رسالة الآرامي من الداخل من تدمر قبل حوالي ٢٢٥٠ عاماً وجدت مكتوبة على جدار معبد “ بل ” كُتب عليها ثلاث كلمات وحرفان : “ لا تشتم إلهاً لا تعبده ”، هاتان الرسالتان تلخصان رسالة الإنسان السوري على مر
الأزمنة وعلى مر الحضارات التي تعاقبت وتوالت على هذه المنطقة .
وعن برنامج عمل الجمعية ذكر الدكتور علي أنها : تهدف إلى العمل على استقطاب فئة الشباب ، والاهتمام بهم وبمواهبهم المختلفة ورعايتهم، فلدى الجمعية نشاط أسبوعي بعنوان : “ فكر بلا حدود ” ، أيضاً تقيم مهرجاناً سنوياً بعنوان : “ سورية تاريخ وحضارة ” ، يرافقه معرض للفنون والتراث والأعمال اليدوية المختلفة ، إضافة إلى تشجيع ثقافة العمل ببعده الإنساني ، هذه النشاطات تقام في مختلف المناطق السورية ، ولديها فروع في خمس محافظات هي : دمشق ، حمص ، حماة ، طرطوس ، اللاذقية ، ومن شروط الانتساب لعضوية الجمعية : السمعة الحسنة ، السلوك الجيد ، الفكر الحر ، الانتماء للوطن ، إضافة إلى أوراق محددة تعرف عن شخصية المنتسب .
وفي البعد التربوي والتثقيفي أكد الدكتور علي أن للجمعية هدفاً تربوياً تثقيفياً تعليمياً بغية إعادة صياغة بعض المصطلحات ، والتعريف بأخرى جديدة ، وتعميق مفهوم المواطنة ، وبناء سورية فكراً وحجراً ، وبناء الإنسان السوري الذي يؤمن بالعدالة الاجتماعية .
* ثقافة الفكر
وعن الدور العلمي للجمعية أكد الدكتور عطا الله الرمحين رئيس فرع الجمعية بدمشق في كلمته أن هدف أعضاء الجمعية هو نشر سياسة العلم كهدف أول وأخير ، وأن العلم الذي نبحث فيه لابد له من مناهج ، والتاريخ الذي نتعاطى معه لابد من دراسته بشكل منهجي وعلمي مستفيدين من تجارب الشعوب المتحضرة ، وما وصلت إليه في هذه الظروف المعاصرة حين امتشقت سلاح العلم ، بمعنى أن العلم ليس من أجل العلم وإنما رفع مستوى الحياة المادية والمعنوية والروحية والثقافية والعلمية للإنسان .
وأشار الرمحين أن التقنيات المبهرة في هذا الكون لم تعد تستخدم فقط في الزراعة والأغراض المجتمعية والشخصية ، وإنما أصبحت فكراً في حالة الصيرورة التي هي صفة من صفات الكائن الحي ، لافتاً أن تلك التقنيات تعزز أفكاراً وتشكل ايديولجية العلم في وقتنا الراهن ، وتابع قائلاً : إذا امتشقناها كسلاح معرفي نستطيع السير إلى الأمام وتطوير مجتمعنا ، بمختلف زواياه ، وتحقيق أهدافه .
* العاصمة الأقدم
بدوره تحدث الدكتور إياد اليونس دكتوراه في الآثار وعضو الجمعية العلمية التاريخية السورية عن دمشق عاصمة سورية ووجهها التاريخي ، والتي صنفها المؤرخون كأقدم عاصمة مأهولة بالسكان ، وعاصمة لعدة حضارات تميزت بمكانتها المرموقة في مجالات العلم والفن والسياسة والثقافة والاقتصاد ، وهي نقطة عبور القوافل التجارية و واحدة من المحاور الهامة في شبكة التجارة الدولية ، حيث يعود تاريخ دمشق إلى الألف التاسع قبل الميلاد ، الذي دلت عليه الحفريات الأثرية في موقع تل الرماد ، ويعود اسمها إلى أصول آشورية بمعنى الأرض الزاهرة أو العامره ، وعرفت بأسماء متعددة منها إرم ذات العماد وحبر ونورام ودرة الشرق وشامة الدنيا وكنانة الله ودامسكا وتيماشكي والدار المسقية ، وتوالت عليها مختلف الحضارات من الفترة الكنعانية حتى الآرامية و اليونانية
والرومانية والبيزنطية والسلاجقة ، وصولاً إلى جلاء المستعمر الفرنسي .
وقال يونس : ورد اسم دمشق في النصوص السومرية بمعنى بلاد القوافل ،
وفي نصوص مملكة ماري العائدة للألف الثالث قبل الميلاد باسم ” آبي-وأوبي-وأوبون ” أي الأرض المسطحة ، وفي النصوص الأكادية ذُكرت بلفظ دمسق ، وفي ألواح الفرعون المصري حوتمس الثالث أتت بلفظ تيمساك ، وماسكو ، وفي النصوص الآرامية ورد الاسم دارميساك الذي يعني الأرض المسقية أو أرض الحجر الكلسي ، ذاكراً الكثير من الحضارات التي تعاقبت على مدينة دمشق مثل الكنعانيين والعموريين ، وأسس فيها الآراميون مملكتهم التي جابهت الآشوريين ، وفي الحقبة الكلاسيكية بعد انتصار الاسكندر المقدوني على الفرس ، أصبحت سورية بما فيها دمشق تابعة لحكمه وأطلق عليها الحقبة السلوقية ، ثم أخذت دمشق تنتقل بين السلوقيين والبطالمة من حين لآخر حتى استولى عليها الأنباط بقيادة الحارث ، وتعاقبت على دمشق حقب كثيرة ، منها سورية الشمس .
أما محمد علي عضو الجمعية فقد تحدث بلغة شعرية جاذبة بهذه المناسبة حيث قال : أصابع كف المرء في العد خمسة .. ولكنها في مقبض السيف واحد .
لكأن به يقول أشعة سورية الشمس في حروفها الخمس ، في أطيافها المتماهية وألوانها الزاهية ، حيث كانت الكف القابضة على سيف العرب الدمشقي ، المشهر دائماً ليدفع عنهم كل غائلة ، وسهمه الضارب باسمهم ، وترسهم الذي يصد عنهم العاديات ..
ولأن سورية الشمس التي لاتغيب كما يقول محمد علي أمعنا التوغل في أغوارها ، باحثين عن صفات أرض أنبتتنا رجالاً ميامين ، وحمَّلتنا عبقها في جيناتنا السورية ، إلى زمن صاغته دماء الشهداء ، حضارة وتاريخاً وضع صلة الجذر الذي أفاضت في أعماقه ذواتنا قوارير عطر .
الأستاذة هيام سليمان عضو الجمعية المشرفة على حفل الافتتاح أوضحت أهمية هذا الصرح العظيم برسالته الكونية تيمنا بولادة فرع دمشق للجمعية العلمية التاريخية السورية ، وقالت سليمان أنه في زمن تحديد الهوية المعرفية للأوطان أضحى من الضروري أن نلتقي في مشروع رئيوي حضاري يؤلف قلوبنا على مساحة الجغرافية السورية ، ولهذا كله كان الهدف من ولادة الجمعية التي أشهرت بالقرار ١٣٦٩ الصادر ١/٩/٢٠١٤ وهي كمشروع فكري حضاري يشكل رافعة للوعي السوري في هذا الزمن الصعب ، فدمشق برأيها هي متحف حي لصلصال الخلق يعيد صياغة الأجيال كما يليق بهم وبها وعلى مقياس رأس هرم مقاوم في هذا العالم