قد يبدو العنوان مستغرباً في وقت يبحث العالم كلّه عن مخارج لأزماته ومشكلاته، فلا تكاد تخلو دولة من مشكلات سياسية أو اقتصادية أو غيرها، وهي إن كانت تتباين في حجمها إلا أنها ترتبط ببعضها البعض نظراً للتداخلات الكبيرة فيما بين جميع الدول في مشارق الأرض ومغاربها، مهما تباعدت، ومهما ارتبطت بعلاقات عداء وحروب.
ولعل الولايات المتحدة الأميركية تمثل العامل المشترك في جميع تلك الأزمات التي تتطلب حلولاً لها نظراً لاستراتيجية واشنطن القائمة على السيطرة على مقدرات العالم كلّه، بما فيه تلك الدول التي ترتبط معها بعلاقات صداقة وتحالف، الأمر الذي وضع العالم كلّه اليوم على شفير هاوية تنذر بدمار شامل في ظل انسداد آفاق الحلول المقبولة.
لا يستطيع ساسة الولايات المتحدة الأميركية قبول فكرة الشراكة أو التعددية القطبية في رسم خريطة التوازنات الدولية، لأنهم يعيشون أوهام انتصاراتهم الكاذبة إثر تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المجموعة الاشتراكية وحل حلف وارسو، وهو ما أدى لتفرد الولايات المتحدة الأميركية بفرض قراراتها على العالم وإحداث تغييرات سياسية وشن حروب في أفغانستان والعراق وتنفيذ خطة نظرية الفوضى الخلاقة عبر أكذوبة الربيع العربي ونشر الديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان وإشاعة النظرية الليبرالية باعتبارها النظام السياسي والاقتصادي القادر على إيجاد الحلول لكلّ المشكلات التي تواجه الدولة أو أي مجتمع من المجتمعات.
الواقع الدولي الراهن يعطي صورة مغايرة لتلك الأوهام والمزاعم، فالقوى الصاعدة تفرض وجودها باضطراد كلّ يوم، الأمر الذي يزيد حدة المواجهة ودفعها للظهور على السطح عبر مواجهات لا تريدها واشنطن أن تلامس حدودها، فكانت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا صورة لصراع الإرادات السياسية الدولية في أوضح صورها وتجلياتها، فالولايات المتحدة الأميركية تجاوزت كلّ القوانين الدولية وضربت بالاتفاقيات الدولية عرض الحائط، واقتربت من حدود روسيا وحاولت فرض شروط اشتباك جديدة تكون قواتها وصواريخها وقاذفاتها على بعد عشرات الأميال من موسكو، بينما واشنطن على بعد آلاف الأميال خلف المحيط الأطلسي غرباً وخلف المحيط الهادي شرقاً، فكيف تكون المواجهة، وهل يمكن تحقيق التوازن الدولي؟
إن الحرب الجارية في أوكرانيا اليوم هي نفق الخلاص من الهيمنة الأميركية على العالم كلّه، بما فيه الاتحاد الأوروبي الذي يتخذ مواقف معادية لروسيا، ضارباً عرض الحائط بمصالحه ومتخلياً عن حكمته المفترضة، إذ أن معاداة الغرب الأوروبي لروسيا وتحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية يخالف مبدأ المصلحة المشتركة للدول ويخالف نواميس المنطق والتاريخ والتجارب، وهو ما يعطي العملية العسكرية الروسية أبعاد الوصول إلى حلول لمشكلات البشرية بعد رسم خريطة سياسية جديدة قائمة على احترام ميثاق هيئة الأمم المتحدة والالتزام بالمعاهدات الدولية الموقعة وتنفيذ بنود القانون الدولي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم فرض أي نظام سياسي في أي دولة أو مجتمع باعتبار أن أي دولة تمتلك وحدها كامل خياراتها في اختيار قياداتها ونظامها السياسي ولا تشكل خطراً على جوارها في الوقت نفسه، عندها تكون الحلول ميسرة وبمتناول الجميع عبر منظمة الأمم المتحدة شريطة منع واشنطن من التحكم بمسار حواراتها ونقاشاتها
معاً على الطريق -مصطفى المقداد