هل غدت الثقافة تجارة؟

الملحق الثقافي- رنا بدري سلوم :                

«الثقافة أن تعرف نفسك، أن تعرف الناس، أن تعرف الأشياء والعلاقات ونتيجة لذلك ستُحسن التصرف فيما يلم بك من أطوار الحياة « هكذا عرّف الأديب نجيب محفوظ الثقافة، فكيف إن دخل الفساد دهاليزها، فتشوهنا وبتنا لا نعرف وجوهنا، وملامحنا ومن نحن؟!، علاقات ثقافية تشوبها المصالح الشخصيّة والربحيّة، فلم يستطع المشهد الثقافي أن يعيش بمنأى عن الفساد المتفشي نتيجة انهيار الأخلاقيات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع حاجات الإنسان الأساسية، من أمن ومأكل وعيش كريم، ومع ذلك لا نبرر الفساد نتيجة لسلوكيات بعض الأشخاص غير السويّة، بحجة الإبداع بحجة حريّة الرأي، فوفقاً للمفكر الإنكليزي توماس بين «حين يطرقُ الرّقيُّ باب أمّة من الأمم، يسألُ: أهنا فكرٌ حُرٌّ؟ فإنْ وجده دخل …وإلا مضى» فعن أي رُقيّ نتحدث ونحن عبيد متطلبات حياتنا اليومية محكومين بواقعنا، نعاني الانفصام، نحلم ولا نملك من تحقيق الحلم شيئاً، نريد أن نكتسب صفة المثقّف بيوم وليلة، ونتربّع على كرسي المسؤولية، ساعين لها بالفساد والرشوة، للحصول على الربح المادي الذي نحن اليوم بأمس الحاجة إليه، وسط هذا الغرق الاقتصادي الذي نعيشه، إذاً نحن نبحر في وسط يبرّر للفاسد فعلته مع كل الأسف.

الثقافة للجميع
الفساد لا ينشأ من مصلحة فرد وحسب بل هو خلق بيئة تربط كل فاسد تطفو مصلحته الذاتية على الصالح العام يتوارثه مؤسسوها، ومن هنا ترسل المؤسسة الثقافية التي تشجّع على خلق هذه البيئة رسالة ثقافيّة غير سويّة موجهة تخدم أشخاصاً بعينهم تحقيقاً لمآرب ما، فيبدأ التلف من شيوع ظاهرة التوتّر والقلق وضعف الولاء الوظيفي والانتماء للمؤسسة، فتنخفض الروح المعنويّة لدى الأفراد، ليكون الخلل الإداري سبباً رئيسياً في ضعف أو انعدام المحاسبية والمساءلة عن الأخطاء والتجاوزات، وعلى سبيل الذكر وليس الحصر، ألا يوجد في المشهد الثقافي بعضاً من المراكز الثقافية تلفظ أنفاسها الأخيرة على مرأى الجميع من شدّة الترهّل بحجة أن الحرب مرت من هنا ولا دافع مادي يحيها، يسود النمطيّة في العمل الروتيني الشكل على حساب الجهد الإبداعي والابتكار، فيخلق في هذه البيئة موظفين لديهم سلوك انطوائي وتحوصل وظيفي ومؤسسي، تجمع اختصاصات غير مؤهّلة تستحوذ هذا الصرح، لتصبح حكراً لهؤلاء الذين جلّ همهم الحصول على راتبٍ شهريّ، دون تقديم أي منفعة ثقافيّة لروّاد هذه الأماكن التي يفترض أن تستغل كل استغلال في مراحل فصليّة سنويّة محددة!؛ لماذا لا يتم استغلال فصل الصيف مثلاً في استقطاب الأطفال الصغار وتفتح المراكز الثقافيّة لهم مسرحها وقاعاتها ومكتبتها لتشجيع القراءة والكتابة والفن وإعلان دورات تدريبيّة للفنون عامة بالاستعانة بالكوادر التعليميّة الفنيّة المناسبة، وبالتالي خلق جيل مثقّف وقارىء لديه ذائقة فنيّة وبصريّة تنهض به وبمجتمعه فيما بعد أسوة بالنوادي الرياضيّة وغيرها!!!، إذاً ما يعيق تلك الرسائل الثقافيّة إدارة فاشلة وفاسدة جلّ همّها جمع المال كإبرام عقود عمل وهميّة لا أساس لها، وغيرها من تفاصيل يصعب حصرها في هذا المقال كي لا نغرق في التفاصيل، فعندما يبدأ الخلل في جزء من الثقافة يتسرّب هذا الخلل إلى جوانب ثقافية أخرى فتتأثر السلوكيّات والممارسات بين أفراد المجتمع، وقد يودي شيوع الفساد وانتشاره إلى قتل حضارة وثقافة الأمّة بدءاً من المنشورات الثقافية مروراً إلى الإعلام الثقافي وصولاً إلى تلك المراكز الثقافي آنفة الذكر.

نفاق ثقافي
الشهادات الفخريّة التي تنهال من كل حدب وصوب، تنشىء كوادر ثقافيّة لها سيطها في المجتمع وأثرها أيضاً، لسنا ضد تلك الشهادات بقدر ما نحن حريصون على وجودها على أرض الواقع في تقديم رسالة ثقافية وفنية واجتماعية توعوية مهمة لها جمهورها ولها معجبوها، ولكن ما يؤسف بالأمر تحكم لسان المال والعلاقات الطيبة أم المشبوهة تلك الشهادات الفخرية التي تتعدى حدود البلد المانح، فمن يملك هذه المنشأة الثقافية والإبداعية يستطيع أن يوزع الشهادات الفخريّة والجوائز الأدبيّة على من يرفع له القبّعة فيعد عنه تقريراً صحفياً أو تلفزيونياً أو حتى دعماً على صفحته الشخصيّة، لست آسفة أنني لم أحصل على أي من تلك الشهادات ولكني آسف على أننا ننضم عنوة إلى المجموعات الثقافيّة التي يضيفنا إليها صديق صدوق يعلم تماماً كيف ننظر للثقافة، فنضع له إشارة الإعجاب والمباركة خجلاً ونشعر أننا مشاركون في هذا النفاق الثقافي الذي نعيشه عنوة عنا، فها أنا أعترف.

طلاء ثقافي
المثقّف هو من اجتهد ليثبت نفسه ويظهر إنسانيّة الإنسان فيه، خضع لأمر اقرأ من ثم استطاع أن يصطفي نفسه عن الآخرين بالوعي والحكمة والمعرفة والاعتراف، وأهم ما يمكن أن يتّصف به هو التواضع واحترام الآخر وتقبّل الاختلاف بكل ما فيه، إنها دلالات تظهر في تعامله مع المجتمع والاحتكاك مع الآخر، أمّا اليوم هناك ثلة من المثقّفين وما أكثرهم، يتباهون بمطبوعاتهم
سطحيّة المضمون إن أجدت التعبير،تتصدّر المكاتب العربيّة، وفي المقابل مثقّف لم يخرج يوماً على
منبر أو حتى لم يره جمهور، لم يستق أبجديّته من وجع الناس ولسان حالهم، وسأستعين بما كتبه الأديب نجيب محفوظ في كتابه «المرايا» وهو خير دليل على مجموعة من المثقفين الذين
«وحُكي لي، كيف انقسم ولا يزال بين التجارة وبين الأدب، وكيف استطاع أن يشق طريقه العسير ويحقق موهبته باستغلال كل دقيقة من وقت فراغه القليل، وترك حديثه والأحاديث التالية على مر الأيّام انطباعاً في نفسي لا يمكن أن يوصف بالثقة، كان الرجل عادي الذكاء أقرب إلى السطحيّة ذا طلاء ثقافي ولكن بلا أعماق، ومن هذا ومن قراءتي السابقة لبعض رواياته ملت إلى تصديق ما يقال في مجالس الفكر، قالوا إنه أنفق أعوامه في مجال التجارة واللهو والعبث باسم اكتساب التجارب الحيّة ومعرفة الإنسان، وشهدوا له بالمهارة في تجاربه مما عاد عليه بثروة طائلة، تزداد مع الأيام ضخامة، وهو في نظر الجميع محب للفن وربما للشهرة أكثر ولكن بلا موهبة يعتد بها مما دفعه إلى طريق مملوء بالمتاعب، فقد صمم على أن يكون أديباً وأن يكمل ما ينقصه من موهبة بماله، وكان يكتب تجاربه، ثم يعرضها على المقربين من الأدباء والنقّاد، ويجري تعديلات جوهريّة مستوحاة من إرشاداتهم، بل يقبل أن يكتب له بعضهم فصولاً كاملة، ثم يدفع بالعمل إلى أهل الثقة منهم في اللغة لتهذيب الأسلوب وتصحيحه، غامراً كل صاحب فضل بالهدايا والنقود تبعاً للظروف والأحوال، ويطبع الرواية على حسابه طبعة أنيقة فتخرج من المطبعة -على حد قول بعضهم- كالعروس، ومن ثم يوجه عنايته إلى بعض النقاد فيملأ نقدها أنهار الصفحات الأدبية، وينفق أضعاف ذلك على ترجمتها حتى فرض نفسه على الحياة الأدبية، وبنفس الأسلوب شق سبيله إلى الإذاعة والتلفزيون دون اهتمام بربح مليم واحد، بل ويضيف إلى ذلك من ماله إذا لزم الأمر، كان يحتقر بيئة التجّار وهي مصدر جاهه وثرائه وهو فيها كوكب محترم ، ويغرس نفسه غرساً شيطانياً في بيئة الفن وهي تأباه وهو فيها غريب محتقر».

     

العدد 1154 –  8-8-2023    

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق