لم تستطع الحكومة ولم تبادر يوماً طوال سنين حكمها لأن تُزيح قيداً واحداً من القيود التمويلية ولا الإدارية التي تمنع مئات آلاف الشباب الطامحين إلى إيجاد باب من الأبواب التي تمكنهم من الدخول إليه ليجدوا فرصة عملٍ عبر إقامة مشروعهم الصغير لتأمين دخلٍ بسيط أو جيد يكون لهم عوناً في توليد القدرة على مجابهة تكاليف هذه الحياة القاسية.
والغريب أن الحكومة منذ بيانها الوزاري أمام مجلس الشعب – عقب تشكيلها – وهي تسدي الوعود تلو الوعود بأنها ستدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطرقت لهذا الأمر مرات عديدة خلال اجتماعاتها الأسبوعية لتصنع منه أحلاماً خرافية .. وآمالاً بلا أي جدوى ولا أي حركة تُبشّر بانفراجٍ قادم، فلم نلحظ أي أثر عملي ولو بخطوة واحدة بذاك الاتجاه سوى الوعود الجوفاء .. لا بل وزيادة الخناق على رواد الأعمال.. !!
منذ أيام رأيت صديقاً لديه خبرة عالية في تصنيع المأكولات الشهية كان يستأجر محلاً في إحدى القرى النائية، يقدم من خلاله أصنافاً مختلفة من السندويش اللذيذ، من الفلافل وأخواتها، وبعيداً عن التفاصيل اضطر للإغلاق مع اشتداد جائحة كورونا، ثم اشتدّت أزمة الغاز الذي يُعتبر جزءاً أساسياً من وسائل عمله، وبعد ذلك أُلزِمَتْ جميع المطاعم – ومنها هذه المحال الصغيرة – على استخدام أسطوانات الغاز الصناعي الكبيرة في أعمالها، فعجز صديقنا عن التقيد بها لأنها مكلفة جداً وليس قادراً على تحمّل أعباء ترخيص الأسطوانات الصناعية، وإن استطاع بشكل أو بآخر فهو غير قادر بالنهاية على شراء الأسطوانات الكبيرة الفارغة ومن ثم تعبئتها لأن هذه العملية تحتاج إلى ملايين مفقودة .. ولذلك اضطر إلى الإغلاق الكامل ولم يعد قادراً على تسديد آجار المحل فسلّمه إلى أصحابه.
وعندما التقيته مؤخراً سألته إن كانت الأمور قد تحلحلت معه، فقد أمضى اليوم نحو أربع سنوات من التعطيل دون أن يجد أي عمل .. فقال بحسرة غاضبة : لقد خنقونا .. وشيئاً فشيئاً يشدون الخناق أكثر، نسمع كثيراً عن الدعم والتسهيلات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي نطمح إليها ولكننا لا نرى إلاّ المزيد من المعضلات والتعقيدات التي لا عنوان لها سوى أنها مستحيلة الحل، لم نعد نريد منهم دعماً ولا تسهيلات فقد يئسنا من ذلك، ونريد أن يتوقفوا عن ابتكار العقبات من أمامنا لنعمل بما لدينا من إمكانيات بسيطة.
فلكي أتمكن من إعادة فتح محل بسيط كالذي كنت أسترزق منه – يقول الصديق – فإنني أحتاج إلى ما لا يقل عن خمسين مليون ليرة لا أمتلك منها شيئاً، لتلبية ابتكاراتهم، ولا أمتلك أي ضمانات سوى المشروع نفسه لأتمكن من التفكير بسحب قرض مناسب.
سابقاً كنت أستعين بأسطوانات غاز منزلية والعمل عليها مريح وميسّر، اليوم صار لا بد من أن أحسب حساباً من ستة إلى سبعة ملايين ليرة لتأمين خمس أسطوانات صناعية مع الرخصة وتعقيداتها وتكاليفها، ولم يعد هناك غنى عن ذلك، لأن العمل بالأسطوانات المنزلية بات يعني التعرض للعقوبة وللإغلاق أيضاً، وقبل أن نعمل يجب أن نحصل من البلدية على موافقة لمزاولة المهنة .. وبعد الافتتاح تأتينا ضريبة النظافة، والعمل الشعبي، وضريبة الأرباح للمالية، وضريبة آجار المحل، وفواتير الكهرباء الباهظة ويعاملوننا في قريتنا الصغيرة وكأننا نعمل في البرامكة أو الدبلان أو الحميدية او الأميركان أو حتى في المالكي !!
هذا كله فضلاً عن تأمين وسائل العمل وتجهيزاته، براد .. وطاقة شمسية .. وووو .. ولذلك لم نعد نريد منهم دعماً ولا تسهيلات .. نريد منهم كلمتين فقط : ارفعوا أيديكم.