الثورة – عمار النعمة:
هو صاحب مسيرة فكر وعلم وثقافة يشّهد عليها الكثير من المثقفين والكتّاب, فهو يعدّ أبرز دعاة القومية العربية، وقد أطلق عليه في هذا الاتجاه مجموعة من الألقاب منها شيخ المؤرخين العرب, المرّبي النموذجي, داعية العقلانية في الفكر العربي الحديث.. إنه قسطنطين زريق، عرّاب الفكر القومي بالعالم العربي، لما راكمه من أعمال نظرية تاريخية تتصل بالمجتمع العربي في علاقته بالمسألة القومية والتحديث وصناعة المؤرخ وأبعاده المستقبلية.الولادة
ولد قسطنطين زريق في حي القيمرية, ودرس في المدارس الأرثوذكسية فيها، قبل أن ينتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الرياضيات, في بيروت شعر زريق بأنه لا ينتمي إلى هذا التخصّص، فحوّل مجال دراسته إلى التاريخ، اللحظة التي غيّرت تاريخه الشخصي وربطته حتى رحيله بالدراسات التاريخية والعمل الأكاديمي في جامعات عربية وعالمية من بينها, الأميركية في بيروت، وجامعات دمشق، وكولومبيا، وجورج تاون.
قدّم دراسات فكرية في القومية العربية لا تنتمي لأيّ حزب من الأحزاب, وإنما تنتمي للفكر القومي, تنوعت مهام زريق بين الإدارات ورئاسة الجامعة وتدريس التاريخ وتخريج المبدعين والأساتذة, قضى حياته بين أروقة الجامعة, دمشق, والجامعة الأميركية, وكان محط اهتمام من طلبته والقائمين على الجامعات.
لم تمنعه مهامه من أن يبقى باحثاً ومؤلفاً ومخلصاً للعلم والتاريخ والقومية، ولو عدنا إلى مؤلفاته فإننا سنجد ذلك المؤرخ النهضوي الذي لا يكتب التاريخ لوجه التاريخ, وإنما يكتبه بتحليل عميق غايته النهوض من الواقع المتردي للأمة.
عُرف بنبله وصدقه ولطفه ومعاملته في معابد العلم دون أن يلتفت لينازع هذا أو يناقض ذاك, جمع بين الأصالة ودماثة الخلق، كيف لا وما عُرض عليه التكريم في يوم إلا وكان جوابه: يكون تكريمي في المزيد من العطاء في مجال التاريخ والتربية والفكر القومي والدراسات المستقبلية, وإذا أردنا أن ننصف زريق فباستطاعتنا أن نقول: إنه قد حمل رسالة وطنية قومية إنسانية بامتياز, وتجلى مناضلاً واعياً عندما ربط ما بين الحضارة والقومية وما بين الحضور المعرفي والكفاح القومي, وكل ذلك كان عن إيمان بالشعب العربي وبالإنسان العربي.
ويبدو أن التاريخ بالضرورة نقل زريق من العمل الأكاديمي إلى العمل السياسي، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح ضمن فريق السلك الدبلوماسي السوري في واشنطن، وعمل عضواً مناوباً في مجلس الأمن الدولي في الفترة مابين 1947 – 1954، كما عمل عضواً لمجمع اللغة العربية ورئيساً لجامعة دمشق عام 1949- 1952.
ألف زريق “الكتاب الأحمر” الذّي كتبه في مطلع الثّلاثينيات من القرن العشرين والذّي اعتُبر آنذاك ميثاقاً للقومية العربية، كما أنجز المؤرخ السوري عدة مؤلّفات أساسية، من بينها “الوعي القومي”، و”معنى النّكبة”، و”نحن والتّاريخ”، و”هذا العصر المُتفجّر”، و”في معركة الحضارة”، و”نحن والمُستقبل”. وغير ذلك.
من واجب المفكر حسب زريق أن يتحسس المسؤولية إحساساً دقيقاً لأن المفكر يحقق قبل أن يبرر, والكلام يجب أن يزان قبل أن يلفظ, والعمل يجب أن يقدّر قبل أن يقدم عليه, والمفكر يعود إلى نفسه محاسباً إياها خوفاً من أن تشطّ أو تزلّ فتجر وراءها أسوأ النتائج.
تأثير زريق على الأجيال اللاحقة لم يتوقف عند الكتابة التاريخية في سوريا، بل إنها تجاوزت هذه المنطقة، فقسطنطين رجل مليء بالفكر والعلم خدم أهل الثقافة والعلم بكل صدق ومحبة ونبالة.
#صحيفة_الثورة