الثورة – هفاف ميهوب
منذُ الأزل، وعلماء وفلاسفة العالم يتساءلون عن معنى الوعي، ويقدّمون مفاهيم شتّى عن الأفكارِ والمعارفِ والتجارب التي يقوم بها الإنسان، للوصولِ إلى حالةِ الإدراك التي تمكّنه من توجيهِ أفعاله وتفكيره، مثلما تهذيبِ علاقته مع محيطه وواقعه.
إنه ما اعتبره الفيلسوف الفرنسي “ديكارت” مكسباً حقّقهُ عندما سعى لتثقيفِ نفسه وإضاءة دواخلها، وقد اعترف بأنه المكسب الوحيد الذي جعلهُ يرى:”بدأتُ أرى جهلي أكثر فأكثر، لأن زيادة المعرفة تعني الوعي، والشخصُ الواعي يدركُ أولاً عجزه”.
هذا ما رآه “ديكارت” بعد أن امتلك الوعي، أمّا ما رآه الأديب والفيلسوف الروسي “دوستويفسكي”، صاحبُ الرؤى المختصّة في فهمِ العمقِ الإنساني، فهو أن الوعي “علّة مرضيّة حقيقية، والإفراط في امتلاكه يُشعر الإنسان بوحدته وعزلته، ويفرض عليه المزيد من التفكير، والمزيد من المعرفة والأدب، ولاسيما في علاقاته الاجتماعية.
بيد أنه ما أرهقه، ودفعه للتمرّدِ الذي استشعر فيه وعياً، قال عن أثرِ اكتماله:”حينما يكتملُ وعي الإنسان وإدراكه للحياة، إمّا أن يعيش في الصَمتِ إلى الأبد، أو أن يصبح ثائراً في وجهِ كلِّ شيءٍ..”، فيلسوفٌ آخر يختلف مفهوم الوعي لديه عن مفهومه لدى “ديكارت” و”دوستويفسكي”، إنه “برتراند راسل”، عالم المنطق البريطاني الذي نظر إلى الوعي، كطاقة وردود أفعالٍ يقوم بها الأفراد تجاه البيئة والعالم، بشرط أن تتمّ في يقظتهم، لا أثناء دخولهم حالة النوم، يُطلق “راسل” مفهومه هذا، ومن ثمّ ينوّه: “لا أزعم ولا أدّعي بأن ما قدمته، هو تحديدٌ دقيقٌ لمفهومِ الوعي، فهذا المفهوم يظلُّ غامضاً ومُبهماً، ويحتاج إلى بحثٍ دقيقٍ وكتاباتٍ كثيرة”.إن كان “راسل” قد ربط الوعي باليقظة، فقد ربطهُ الفرنسي “برجسون” بكلّ الحالات التي يعيشها الإنسان، فهو بالنسبة له:”الوعي قبل كلّ شيءٍ هو الذاكرة.. هو احتفاظُ وتراكمُ الماضي في الحاضر، وتوجّهٌ للمستقبل، والوعي الذي لا يحفظ شيئاً من ماضيه، يُتلف ثم يولد في كلّ لحظة”.
كلّ هذا، ولا يتوقف علماء وفلاسفة العالم عن تقديم مفاهيمٍ ورؤى شتى للوعي، ليكون أجمل ما قرأناه في وصفه، قول الفيلسوف الفرنسي “لويس لافيل”، أحد أهم عظماء الفيزياء في القرن العشرين:”الوعي لهبٌ صغير خفيّ مرتعش، ونحنُ غالباً ما نعتقد أنّه جُعل لإنارتنا، وأنّ كياننا شيءٌ آخر، إلا أن هذا النّور هو كياننا: فكلّما ضعف، ارتخى وجودنا، وإذا ما انطفأ، انتهى وجودنا..”.