الثورة اون لاين – هفاف ميهوب:
ما أكثر ما نسمع في هذا الزمن الذي اكتسحته اللغة البصرية، بأن عصر الكلمة قد انتهى، وبأن الصورة تمكنت من هزيمتها، وحلّت محلّها وارتقت عرش السيادة اللغوية.
كلامٌ لا يمكن أن أوافقه، بل أؤكد وأنا أرفضه: ليس صحيحاً بأن الصورة قادرة بأن تقضي على الكلمة، بل هي تهبها الدعم الذي يجعلها أكثر وضوحاً ومصداقية في التعبير، وأشد تأثيراً في الوقت الذي نعاني فيه من التقصير.
التقصير بحقِّ الكلمة الواعية والواعدة والمتأنية، في سعيها لابتكارات المعنى التي يراد منها الارتقاء بالمجتمعات والإنسانية. أيضاً بحقِّ أبنائنا ممن قادتهم وسائل التواصل إلى الغوغاء التي لم تهذِّبهم وإنما أفسدتهم، وإلى أن باتوا يردِّدون ما أرادت صورها الهائلة غير العاقلة أن ينطقونه، بعد أن انقادوا من تفكيرهم إلى ما يعتقدون بأنه يجسد حياتهم وقضاياتهم ومصيرهم..
نسمع الكلمة فتنبِّهنا، ونقرأها فتجذبنا.. نتوقف لدى المبدع منها، فنشعر بمقدار مرونة لغتنا وقدرتها على توليد أكثر من معنى يخدمنا ويعلمنا.
لا.. لن تُهزم الكلمات، ولن تُهدر مكانتها بفعل مزاحمة الصورة، وإن قيل بأنها قادرة على مخاطبة كل الشعوب، وبأقوى اللغات.. لن تُهزم، ولا شيء بإمكانه أن يستولي على مكانتها سوى ابتكاراتها، وإن كان للصورة لغة، إلا أنها تعجز عن الإبداع الذي تبرع فيه الكلمة ومدلولاتها، وعن الوصف الذي تعبر عنه ويتعلق بالحياة بكلّ حالاتها وتناقضاتها.
نعم، تعجز الصورة عن الابتكار، وعن قراءة الحياة والواقع بعمقِ مافيهما وتسردهما الكلمات بروعة وإبهار. تعجز الصورة عن الإشارة لمكمن الخلل ومعالجته، بأناملِ مبدعٍ أنصفها فامتلكته.
هو رأي، أردت منه إنصاف الكلمة وإبقاءها حية وحيوية. خلاقة ومرنة ومكتشفة، في كل ما تخوضه وتثبت من خلاله بأنها سيدة التعبير القوية.
هو رأي، ربما يشاطرني إياه كثرٌ وربما لا، وهنا سوف أسأل: هل يكفي أن يلتقط صحفي ما، صورة لتظاهرة أو حادثة أو حالة اجتماعية أو فنية أو سياسية، دون أن يعلق عليها ولو بكلمة؟!.. أيضاً، هل يمكن لقارئ أن يتعلم ويتهذّب ويتفكر ويتطور، لمجرد اطلاعه على صحيفة أو مجلة أو كتاب لا شيء فيهم إلا الصور؟..
حتماً لا يمكن، وبدلالة الدور غير العاقل والقاتل، الذي لعبته الصور المفبركة والتحريضية خلال الأزمة التي تعرضت لها أرضنا السورية.. لا يمكن وإلا، علينا أن نلتزم جميعاً الصمت، ونقرأ بأعيننا، ما يفقدنا وعينا أو نباهتنا أو كلمتنا الناطقة بما ينصف الحق ويردّ الباطل إلى عوالمه الانتهازية.
الكلمة باقية، مهما تردى الزمن، وتهافتت فيه وسائل الهيمنة التي تحاكي أناها لا الأنا الفاعلة والعاقلة. الكلمة سيادة وستبقى، وعلى الصورة أن تلازمها بصمتٍ تنطقه الكلمات الحكيمة والراقية.
