لايختلف اثنان على أن الشعوب التي تحافظ على ثقافتها وتراثها شعوب لاتموت، وهنا بيت القصيد، ففي ظل عالم تتصارع فيه الثقافات العابرة للحدود، والتي تروج لها وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التكنولوجيا عبر الفضاءات المفتوحة والعالم الأزرق، يجعلنا ندق ناقوس الخطر، وخصوصاً أنها تستقطب عقول النشء الصاعد من الشباب، فيتبنون تلك الأفكار الوافدة من دون وعي منهم بأنها تسلبهم خصوصيتهم وهويتهم التي ينتمون إليها وتصهرهم في بوتقة العولمة، وهي من أخطر التحديات المعاصرة للهوية الثقافية والتراثية.
ولكن مايثلج الصدر توجه بعض مؤسساتنا الثقافية والسياحية إلى تكريس القيمة المضافة التي يشكلها التراث الثقافي في حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياحية، وقبل كل شيء في انتمائنا لحضارات عمرها آلاف السنين.
ففي الآونة الأخيرة نجد إحياءً للتراث المادي واللامادي عبر أنشطة وفعاليات تتضمن إظهار فنون المهن اليدوية التي نالت شهرة واسعة في بلادنا وتجاوزت الحدود لتصل إلى العالمية، وخصوصاً فيما يخص الأقمشة التي تتفرد بها بلادنا، والصناعات الخزفية والموزاييك، ناهيك بالآلات الموسيقية العريقة والكثير من الصناعات كالزجاج المعشق والزخارف.. والقائمة تطول.
وقد شهدنا العديد من الأمسيات الموسيقية في غير معلم أثري كقلعة دمشق وقلعة حلب، وسجلنا العديد من تراثنا المادي واللامادي على لائحة المعالم الأثرية العالمية في اليونيسكو، في محاولة جادة لتوثيق تلك الكنوز الحضارية قبل أن تمتد إليها يد العولمة التي تحاول أن تسرق هويتنا ضاربة عرض الحائط بالقوانين الدولية وخصوصية الدول في حماية تراثها.
وجميعنا يدرك أن ماتعرضت له بلادنا أثناء الحرب من اعتداء سافر على إرثنا التراثي، يؤكد استهدافنا في ثقافتنا وحضارتنا، مايستدعي وجود خطة استراتيجية متكاملة تتضمن إعادة ترميم وتأهيل تلك الآثار والترويج لها سياحياً وثقافياً، فنحن نملك من التنوع في ثقافتنا وإرثنا الحضاري ما يجعلنا قبلة للسياحة والسياح، فلدينا السياحة الثقافية والدينية والبيئية وغيرها، وهذا بدوره لابد سينعش البلاد ويكرس ويوثق لإرثنا المادي واللامادي في الآن نفسه، ويعزز هويتنا التراثية التي نباهي بها الأمم.