الثورة – غصون سليمان:
بين التفاؤل والتشاؤم قواسم مشتركة في ميزان عمل القطاع الصناعي من ناحية الرؤية والأفكار التي كشفت عنها اليوم ورشة العمل التي أقامها الاتحاد العام لنقابات العمال حول القطاع العام الصناعي بين تحديات التشغيل والإصلاح وإعادة الإقلاع، وذلك ضمن خمس محاور تتعلق بتوصيف الواقع الراهن لشركات القطاع العام الصناعي والقوانين والتشريعات المتعلقة بالاستثمار والإدارة،
إضافة إلى الواقع التقاني وتحديات مصادر التمويل لإعادة التأهيل، وكذلك واقع الإدارة والعمالية وتحدي الموارد البشرية، وكيفية الاستفادة من الشركات والاتفاقيات في ضوء الانفتاح المتوقع.. هذه المحاور الخمسة الغاية من طرحها ومناقشتها هو استخلاص رؤى وأفكار ومقترحات مفيدة تساهم بتطوير هذا القطاع والنهوض به بما يعزز أجواء الورشة التفاعلية التي ضمت الخبرات والاختصاصات الإدارية والنقابية والمهنية للقطاع العام الصناعي رصدت العديد من نقاط الضعف والقوة وبيان الظروف والأسباب والمعوقات التي أدت إلى تفاقم مشكلات هذا القطاع.
*تحديات بالجملة
رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال جمال القادري بين أن هذه الورشة تأتي في سياق سلسلة من ورشات العمل لرفد الجهد العام والنهوض بمختلف القطاعات، مؤكداً أن الاقتصاد الحقيقي يتمثل بالزراعة والصناعة وليس بالقطاع الريعي، وبين أن مشكلات القطاع العام الصناعي بدأت مع نهاية التسعينيات من القرن الماضي حيث أخذ يتراجع وكاد أن يتلاشى شيئاً فشيئاً وهو الذي كان يمتلك بنية هائلة بالجسم فيما يخص المنشآت والمؤسسات على كامل جغرافية الوطن، وكان إنشاء المعامل والصناعات في سورية يأخذ البعد الاجتماعي بالدرجة الأولى وأنشئت بعض المنشآت الصناعية بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية والهدف منها تشغيل اليد العاملة الموجودة في تلك المواقع، وبالتالي عمل القطاع العام لعقود في هذا المجال فكان المعيار الاجتماعي هو الأساس قبل معيار الربحية.
وأضاف أن هذا القطاع وجد نفسه فجأة أمام تحدٍ جديد وهو أن يعمل وفق معايير ربحية اقتصادية بحتة دون أي تمهيد يذكر نتيجة سياسات معينة، ولكن قبل أن نضع القطاع العام بهذه المواجهة كان من الضروري والواجب تهيئة الأرضية المناسبة للبنى التحتية وغيرها.
ونوه إلى حالة الخلل في بداية تشغيل القطاع العام حين كانت تعمل الآلات بكامل الطاقة الإنتاجية وكان يحقق فوائض كبيرة في هذا القطاع والتي كانت تستجر من قبل صندوق الدين العام بالكامل، حتى أقساط الاهتلاك والتي هي علمياً وعملياً ومعمول بها بمعظم العالم أنها تخصص لتشغيل الطاقة الإنتاجية لكل آلة وكل عنصر له رأس مال معين، ورغم ذلك كانت تقتطع أقساط الاهتلاك وتحول إلى صندوق الدين العام.
وذكر أنه في الوقت الذي بتنا فيه بحاجة إلى عملية التجديد والاستبدال بتنا نخضع لجولات ماراتونية من المفاوضات للحصول على بعض حقوقنا ولم نفلح في ذلك رغم تشكيل العديد من اللجان. ومن التحديات التي واجهها القطاع العام الصناعي أيضاً اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى عام ٢٠٠٥ وانفتاح التجارة مع تركيا عام ٢٠٠٦ حيث اغرقت أسواقنا بمنتجات هذه الدول على حساب صناعتنا الوطنية وتوقف حوالي ستة آلاف منشأة.
كذلك قدم الآلات واستنزاف الخبرات الوطنية لعب دوراً سلبياً في آليات تطوير العمل وغيرها الكثير في هذا المجال.
*تصور مستقبلي
بدوره الدكتور جمعة حجازي مدير المرصد الوطني للدراسات العمالية الذي أدار الندوة توجه بعدة أسئلة قبل حديث السيد وزير الصناعة، هل لدينا إرادة كاملة للبدء بعملية إصلاح اقتصادي؟ وإذا كانت هذه الإرادة موجودة هل لدينا إمكانيات بهذا الظرف وبهذا التوقيت لإنجاز هذه العملية؟ ما هو التصور المستقبلي لإصلاح القطاع العام الصناعي؟.
رؤية استراتيجية
الدكتور عبد القادر جوخدار وزير الصناعة بين أن الوزارة وضعت رؤية استراتيجية لتشخيص الواقع الحالي للقطاع العام الصناعي الذي له دور رائد في حياة المجتمع ولعب دوراً اسطورياً في سنوات الحرب من ناحية استمرار العملية الإنتاجية بفضل كوادر عماله.
وأكد الرغبة والإرادة القوية لتطوير القطاع الصناعي الوطني من عام وخاص وهذا ما تعمل عليه بشكل دؤوب ومستمر، لافتاً أنه في العام يوجد قطاعات استراتيجية يتم العمل عليها من خلال تصنيف المنشآت، فهناك فئات لها صناعات بسيطة يمكن لأي ورشة أو قطاع خاص القيام بها، وصناعات متوسطة يجب أن يكون للقطاع العام اليد العليا فيها، وكذلك الصناعات الاستراتيجية التي يجب أن نحافظ عليها.
*توطين الصناعات الإلكترونية
فالرؤية المستقبلية وفق ما أشار إليه وزير الصناعة هو النهوض بالقطاع العام الصناعي حيث يجري العمل بشكل جدي على توطين صناعات استراتيجية تكون للدولة اليد العليا فيها بعدما تم سبر واقع الصناعات داخل سورية وفي الإقليم والدول المجاورة والعالم ولاحظنا أنه من المفيد جداً توطين الصناعات الالكترونية بمعنى أن يكون لدينا صناعة وطنية مئة بالمئة “صنع في سورية”. هذه الصناعة وضعت الوزارة رؤية استراتيجية متكاملة حولها وتم اعتمادها مؤخراً من قبل اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء تفضي بإحداث خطوط تصنيع الكترونية، وإذا ما نظرنا إلى السوق الحالية والمحال التجارية نجد أن معظم السلع الصناعية مستوردة، بينما يتطلب الواقع أن يكون لدينا صناعة وطنية بامتياز تواكب حاجة المجتمع بقطاعاته المختلفة ولاسيما المتعلقة بتكنولوجيا الطاقات المتجددة.
ولفت الدكتور جوخدار إلى التعاون القائم مع وزارة الكهرباء بما يلبي احتياجاتها وتزويدها بعدادات الكترونية ما يسهل تحصيل فاتورة الكهرباء ومعرفة حالات الهدر.
وكشف الوزير أيضاً عن إمكانية تطوير الصناعات في الطاقات المتجددة وتأمين وسائط نقل كهربائية فردية في المطارات وصولاً إلى جرار زراعي كهربائي، فالخطة الاستراتيجة وفق العمل على توطين الصناعات الإلكترونية تنطلق عبر مرحلتين الأولى تقوم على التجميع وفق الدراسات المعتمدة والثانية القيام بتصنيع خطوط متكاملة للصناعات الإلكترونية المطلوبة.
كما أشار الوزير إلى وجود ٢١٥ منشأة صناعية تضم ٢٦ ألف عامل ما بين مهندس وفني وعمال مساعدين، إضافة لوجود ١٦٧ منطقة صناعية موزعة بجميع المحافظات تحتوي أكثر من ١١ ألف منشأة متوسطة وصغيرة هندسية وكيميائية وغيرها.
وختم حديثه بالقول أنا مؤمن إيماناً مطلقاً بالقطاع العام الصناعي، وإيماني راسخ وقوي بالعمل المؤسساتي فهو غاية النجاح وطريق النجاة.
الورشة التي استغرقت ثلاث ساعات من الحوار الجاد بين الحضور النوعي المعني بتطوير هذا القطاع حيث أثيرت العديد من القضايا المتعلقة بمفهوم التشاركية والتي يجب أن تقدم التقنية والتحديث والتطوير وليس المحاصصة. وهذا ما أكده وزير الصناعة ورئيس اتحاد العمال والحضور بأنه لا يوجد مصلحة بإدخال أي شريك للشركات الرابحة. والشراكة مع العمال هي أنجع وسيلة في هذه الظروف.
لعلها عناوين كثيرة ومهمة رصدتها ورشة عمل الاتحاد لا يمكن الإحاطة بها بمادة أو مقالة فهي تحتاج المزيد من إلقاء الضوء لاحقاً.