الثورة – حسين صقر:
عندما يصاب الإنسان بالغرور، لا يصبح أعمى وحسب، بل أصم أيضاً، إذ يغيب العقل وتصبح الغريزة الآمر الناهي والمسيطر، وفجأة يرى كل الناس أعداء له دون أي سبب، فلا يرى سوى نفسه وأوهامه، ولا يصدق سوى ما تمليه عليه تلك الغرائز والأهواء، وهنا يبدأ الضّرر على الذات وعلى الآخرين وحتى على البلاد، وتبدأ مشكلاته مع من حوله، وهنا لابد من إصلاح ذات البين، لأن الإصلاح والصلح سادة الأحكام، وذلك يكون احتراماً للعقل وتحقيق العدالتين الاجتماعية والقانونية.
ومجتمعنا أفراد وجماعات تمر عليه حالات شتى من الألفة والتـباعد، ومن الصداقة والعداء، نتيجة سوء تفاهم هنا أو هناك، وأحياناً نتيجة الاعتداءات المتكررة لبعض الأشخاص الذين سبطرت عليهم أهواؤهم وتغلبت عليهم نزعة الأنا.
ففي الفترات الصعبة من حياة الناس، ومنها حالات النزاع والاقتتال والمشاجرات، تتراجع قيم الألفة والصداقة والتسامح، وتنمو مظاهر التعصب الأعمى، وإلغاء الآخر، وعدم قبول رأيه، والتقوقع على الذات، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وتتراجع قيمة العقل والتفكير العقلاني أمام الإحساس بغرور القوة، ولا تسمع من هذا الشخص أو ذاك إلا حقوقه فقط، أما الواجبات فتصبح طي النسيان، وذلك نتيجة إصابة البعض بالغرور.
ينسى الإنسان في لحظات الضعف، وأقول الضعف: لأن القوة أن يعترف الإنسان بأخطائه، ويدعو لإصلاحها، لا أن يظن أنه صاحب الحق دائماً، ويعلم تماماً أن العامل الأهم في رقي الأمم هو الاستقرار والهدوء والتآلف، والتوازن.
والخلافات مهما طالت سوف يحتكم فيها الناس للعقلاء والمصالحين، وإلا اختاروا العيش بمفردهم يكفون حالهم وأحوالهم في أفراحهم وأتراحهم، لأن جميع النزاعات انتهت على طاولة المفاوضات، وفي اللقاءات، وهذا موروث فكري جاء خلاصة تجارب وخبرات الآخرين.
وهذا ليس من قبيل “الفزلكة اللفظية” أو فلسفة الأمور، لأننا نجد دائماً أن الأساس في بناء الحضارات البشرية، هو قوة العقل البشري، والإبداع، والاستقرار، وأن تعيش جميع مكونات الناس بانسجام مع بعضها، وأن يديروا الاختلاف بينهم بطريقة حضارية، عملاً بالأمثال لأنها أكثر مظاهر الحياة انتشاراً وترمي إلى دلالات شاملة لمعتقدات جميع الشعوب على حدٍ سواء، وأحدها الصلح سيد الأحكام، حيث تعد الأعراف الاجتماعية في حل النزاع والعداوة بين الناس، قوة لا تقوى عليها المحاكم ولا القوانين، وذلك ضمن ضوابط اجتماعية وقانونية ذات طابع نفسي لدى الناس فيعلن مبدأ الاتفاق على الجميع ويتم تحديد تاريخ ومكان الإجراءات، لإنهاء الحادثة بأكملها.
وفي ذلك اعتاد الناس اللجوء إلى قادة الرأي والوجهاء بينهم، للتوسط في حل تلك المشكلات ووضع نهاية لها، سواء أكانت تحمل تلك الخلافات في طياتها الجرائم أو سوء التفاهم والخلافات العادية على حد سواء، وذلك تفادياً لردات الفعل.
والامثلة على التصالح كثيرة، حيث يخرج الجميع منتصرين ومجبوري الخواطر وقد حصلوا على حقوقهم المادية والمعنوية، لأن الثأر والتربص بالآخرين لن يجلب سوى المزيد من الألم والمتاعب، ولاسيما أن القانونين الاجتماعي والتشريعي فوق الجميع، وسوف يتحمل المتسبب المسوؤلية حيال المشكلة الحاصلة.
بالنتيجة للصلح أهمية كبيرة في المجتمع لما له من دور كبير في تقويم أخلاق الإنسان وهو إحدى أسباب النجاح والفلاح في الحياة، كما له أهداف إيجابية سواء أكانت نفسية أم اجتماعية أم تربوية لكن ضمن ضوابط يجب النظر فيها.