ازدواجية المعايير تكشف عن وجهها

يبدو أن ازدواجية المعايير أصبحت سمة بارزة في المجتمعات المعاصرة، فنحن نشهد كيف تتباين المقاييس التي يطبقها بعضهم على أنفسهم، وعلى الآخرين، وكيف تختلف توقعاتنا بناءً على المواقف، والسياق. فالشخص الذي ينتقد بشدة سلوك الآخرين قد يبرر تصرفاته الخاصة بحجج مختلفة، وقد يلجأ إلى المناورات، والكذب لتحقيق مآربه، وحتى في المنازل قد نجد مَنْ يتوقع من أبنائه ما لا يلتزم بها هو نفسه.

هذا التناقض في المعايير يوحي بأن المبادئ التي يزعم بعض الناس الالتزام بها ليست سوى وجوه يبدلونها حسب المواقف، والمصالح ليُظهروا للعالم صورة مثالية عن أنفسهم بينما تختفي جوانب أخرى أكثر ارتجالية، وأنانية.

وفي ظل هذه الازدواجية، يتساءل الكثيرون عن حقيقة قيمنا، وأخلاقنا، والمبادئ التي نسير وفقها.. فإذا كنا لا نطبق على أنفسنا ما ننتظره من غيرنا، فأي مصداقية تبقى لتلك المبادئ، والقيم، والأخلاق؟ وإذا كان الانتقاء هو السمة الغالبة في تطبيق المعايير، فأين تكمن النزاهة، والعدالة إذاً؟

هذا الواقع المؤسف يشير إلى خلل جوهري في بنية مجتمعات اليوم.. فالمعايير المزدوجة تنال من نسيجها الاجتماعي، وتضعف من قدرتها على التعاون، والثقة المتبادلة فيما بين أبنائها. وما لم يتم العمل على تقويم هذا الخلل، والالتزام بالمبادئ بشكل موحد، ستظل ازدواجية المعايير عائقاً أمام تحقيق التماسك، والعدالة في هذه المجتمعات.

غالباً ما تدفع المصلحة الشخصية إلى تبني معايير مزدوجة بما يخدم في كل موقف. ويُذكر أنه قبل عقدين من الزمن أكثر، أو أقل بقليل عندما أقدم مراهق أميركي على حرق علم بلاده لم تقم الدنيا ولا تقعد نتيجة هذا الحدث الغريب، والاستثنائي، وإنما كان الاهتمام بالسبب الذي دفع إلى ذاك الحدث، ليُسأل ذلك المراهق عما هو الشيء الذي لا يعجبه ودفعه بالتالي لأن يفعل ما فعل حتى يتم إصلاحه بما يُرضي.. وبعد استيعاب الحادث بكثير من التفهم عُرف السبب فبطُل العجب، وانتهى الأمر دون عقاب، أو غضب.

واليوم تتكرر حادثة مشابهة وفوق تلك الأرض ذاتها انتصاراً للقضية الفلسطينية، ورغم أن السبب ماثل، وبارز أمام عيون العالم أجمع، ولا يحتاج للسؤال، أو للجواب فإن ردة الفعل تجاهه لم تكن كسابقتها، وإنما هي الإدانة، ووصم من قام بإحراق علم البلاد بالخيانة، وتدنيس ما لا يجوز تدنيسه لأي غرضٍ كان، بل إن مثل هذا الأمر يُعتبر بمنزلة الخطاب غير الحضاري الذي يغذي الكراهية.

حقاً إنها ازدواجية تثير الدهشة في تباين المواقف، وتناقضها، وتحولها من الضد إلى الضد، وهذا ليس غريباً على السياسات الغربية التي تضع مصالحها الاستعمارية فوق كل اعتبار ولو تآكلت الثقة ليس فقط بين تلك الحكومات ودول أخرى بل حتى بينها وبين أفراد مجتمعاتها ذاتها لتغدو العلاقة بين هذه الأطراف دون المبادئ الثابتة، والقيم السامية، بل إنه تبادل المصالح، والمنافع فقط.

إن مشكلة المعايير المزدوجة التي ينتهجها الغرب هي من القضايا المعقدة الشائكة، والمتشعبة التي لا تخلو من الجدل، والنقاش. فمن ناحية هو يطالب بما لا يلتزم به، ومن ناحية أخرى نراه يتغاضى عن انتهاكات الدول الحليفة له، أو الدول ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة له. ومثل هذا الأمر لا ينطوي على سبب واحد واضح وإنما على مجموعة من الأسباب، والمسوغات التي تنطلق بالأساس من المصالح الاقتصادية، والسياسية، والاستراتيجية لهذه الدول، كما مصالح الهيمنة، والطمع الجارف حتى ولو كان ذلك على حساب حقوق الإنسان الذي هو الكائن الأسمى فوق هذا الكوكب التعس الذي أنهكته تجاوزات أبنائه في الحروب، والنزاعات، وتدمير بيئته، ومناخه.

إن العيش بمعايير مزدوجة هو كمن يرتدي قناعاً لا يناسبه فيمنعه من رؤية العالم كما هو، وعلى حقيقته.

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق