الملحق الثقافي- نداء الدروبي:
كم سمع وشهد الفنانون التشكيليون ككلِّ فئات الشعب القصص المشرِّفة عن حرب تشرين التحريرية المجيدة، التي بزغت (عام 1973)، وكيف كان الإسرائيليون مجنزرين في دباباتهم وطياراتهم كي لا يهربوا من أرض المعركة، بينما فرَّ بعضهم وتركوا دباباتهم الحديثة الصنع، وتمَّ عرضها آنذاك في أرجاء المدينة! وكم رسموا القصص البطولية عن تضحيات أفراد جيشنا الصناديد، وصوَّروا مرتفعات الجولان من جبل الشيخ حتى تل الفرس.. وفي هذه المنطقه دارت معارك تشرين التحريرية الظافرة، إذ اخترقت قوَّاتنا المسلَّحة بكلِّ تشكيلاتها ووصلت بعض وحداتها إلى سهل الحولة وبحيره طبرية، فكانت أغلب اللوحات التي جسَّدت أحداث تشرين التوثيقية بالمنهج الواقعي أو الانطباعي، بينما جنحت أعمال أخرى إلى التعبيرية والتجريدية والزخرفية والخطوط العربية البديعة.. وكثير من الفنانين صوَّروا (تحرير مرصد جبل الشيخ) في مواقف قتالية مُشرَّفة لأبطالنا الشجعان من الجيش العربي السوري، الذين اقتحموا المرصد المنيع والخطير في خطَّة مُحكمة أذهلت العدو «الإسرائيلي»، وكلُّ ذلك من خلال المزج الفني بين طبيعة الأرض واللوحة الفنية، وكان من بين الفنانين على سبيل المثال مَنْ رسم على (حطام طائرات العدو الإسرائيلي الفانتوم 4)، مُبتعدين عن تقليدية اللوحة الخاضعة لمنطق الرسم على سطوح قماشيَّة أو ورقيَّة أو خشبيَّة… ملاحم النصر وتلك الطائرة التي أسقطتها دفاعاتنا الجوية السورية في الحرب، كما جسَّدوا مدينة القنيطرة التي دمَّرها العدوان الصهيوني بلوحات تفيض بالمشاعر الوطنية ورسائل التمسُّك بالأرض والهوية وسيادة الوطن وإجرام الكيان «الإسرائيلي».. ومنهم مَنْ كرَّس أعماله الفنية للجولان السوري المحتل، وأبدع روائع كثيرة كي يُبرز القيم العليا التي عكست بطولة الجندي العربي السوري.. ونرى أيضاً لوحة أخرى بانورامية بأسلوب مختلف عن حرب تشرين التحريرية، وكيف تمَّ تحرير مرصد جبل الشيخ، ورفع العلم السوري في سماء القنيطرة، الموجودة اليوم في صرح الشهيد بجبل قاسيون أيقونة من أيقونات سورية الخالدة، حيث وضع فيها الفنان كلَّ خبراته الفنية والتقنية. ومنهم مَنْ رسم الجنود السوريين وهم يهبّون للدفاع عن الوطن. بينما عكسوا انتصارات رجالات جيشنا على الإرهاب وتخليد بطولاتهم من خلال تجسيد الجندي العربي ذي الإرادة القوية، والمقدام الذي يُضحِّي حتى آخر نقطة من دمه في سبيل صون تراب الوطن وحمايته. وتأتي أعمالهم للتأكيد على أنَّ الفنانين السوريين يساندون الجيش في معاركه ضد الإرهاب، ويُوثِّقون بريشتهم وأدواتهم بطولاته وتضحياته. كما أعطت ألوانهم وخطوطهم دلالات تعبيرية مختلفة، وقدَّموا منحوتات مصنوعة من الخشب والبوستر والحجر والبازلت والمعدن ولوحات حفر …. إلخ، بأساليب عديدة، ووجَّهوا من خلال أعمالهم رسائل سلام ومحبة، مستخدمين رموزاً عميقة تدلُّ على التصاقهم بأرضهم، وتؤكِّد أنَّ سورية ستبقى مهد الحضارات يشعُّ منها نور المعرفة، ورغم كلّ التحديات ستبقى صامدة وشامخة، كما صوَّروا قصص البطولات التي سطَّرها أبناء وأحفاد أبطال تشرين حالياً في مكافحة الإرهاب والحرب العدوانية على سورية.
أما المعارض التي تُنظَّم في المناسبات الوطنية المهمَّة فما هي إلا استمرار على حمل رسالة النضال من جيل إلى آخر كي يحفظوا تاريخ الأجداد والآباء بتوثيق بطولاتهم وصونهم لوطنهم وترسيخ قيم الشهادة من خلال الفن.
ونرى أن آباء بعض الفنانين قد خاضوا البطولات في حرب تشرين، وبعضهم الآخر شارك فيها ومازالوا على قيد الحياة يواصلون إبداعهم الفني، ويستوحون من بطولات تشرين التحريرية أعمالهم الإبداعية.
إنَّ المعاني التي تجسِّدها حرب تشرين، وانتصارات جيشنا في الميدان حالياً كثيرة وسامية، فبلأمس كانت تشرين التحريرية وكان عدونا كيان الاحتلال «الإسرائيلي» ومازال هو العدو الأساس إلى جانب أدواته الإرهابية والتكفيرية الذين سقطوا جميعاً تحت نعال الجندي السوري البطل وانتصاراته المتتالية من تشرين التحرير إلى التصحيح إلى الطوفان المبارك.
إنَّ فناني سورية دائمو المواكبة لبطولات قوَّاتنا المُسلَّحة… يرفدون جنودنا في الميدان وفي معاركنا ضد الإرهاب وإننا بمثل هذه اللحمة سيتحقَّق نصرنا على يد أبطال جيشنا وبمساندة شعبنا ووقوفه إلى جانبهم.
وقد عبَّر عن تشرين كلُّ الفنانين المخضرمين والموهوبين عندما جسَّدوا عرس النصر الكبير، وكرَّموا أبطالنا الشجعان بتوثيق تضحياتهم وبطولاتهم، كما تصدَّرت المرأة السورية المكان الأبرز نتيجة لدورها الكبير في الحرب فهي الأم والأخت والزوجة والابنة والشهيدة، لذا ألبسها الفنانون ثوب العرس وبزَّة القتال، فكانت مقاومة أبيَّة تُدافع عن وطنها الأم في وجه أيِّ عدوان أو تهديد.
ونحن إذ نُنظِّم المعارض الوطنية نتذكَّر من خلالها أمجادنا السالفة، ونستمدُّ منها القوة لأنَّ بطولات تشرين وما حقَّقه من نصر تاريخي يعتبر بمثابة رصيد تاريخي ننقله من خلال اللوحات لأحفادنا وأبنائنا… وكيف كنَّا نذود عن بلادنا. ولا يخفى على أحد أن حضارة الأولين وانتصاراتهم عبَّر عنها الفنانون والكتَّاب من خلال ما وصلنا عبر التاريخ.
وتعني لنا حرب تشرين الأمل الكبير بأن يُعيد العرب تفكيرهم بحماية كرامتهم مرة أخرى كما حدث فيها عام ١٩٧٣، حتى لا تتكرَّر المؤامرات التي تتعرَّض لها سورية والأمة العربية أمام عدو لايفهم الإنسانية أبداً. ونحن كتشكيليين يجب أن تكون لنا أعمالنا القوية لإيقاظ الضمائر النائمة، فأعمالنا عكست ما فعله آباؤنا منذ سنوات ومدى تصديهم لأفعال التخريب والتمزيق لبلدنا.. ويجب أن نتحلَّى بالشجاعة دائماً في أعمالنا لأن تشرين علَّمنا بأن نُعبِّر عمَّا بداخلنا بعد أن أصبح رمزاً يحثّنا على التحريض من أجل تشرين آخر. ولا يخفى على أحد دور الفنانين والنحَّاتين والحفَّارين في تأجيج العواطف، ورصد ما يحدث على أرض الواقع، فلا يمكن أن يغفر الفنان أو الفنانة لحظة صمت يمكن أن تنتابهم، لذا أبدع أولئك النحَّاتون والتشكيليون الذين ملؤوا ساحات سورية بتماثيل النصر والرسومات المُعبِّرة عن البطولة والفداء.. وقد رسم بعض الفنانين الرموز الوطنية بعيداً عن أثر المنظومة التقليدية بصورة واقعية، ومنهم أيضاً من أبدع أعمالاً مهمَّة بروح تعبيرية، مُعتمدين على الظلِّ والنور بحسٍّ عالٍ، إضافة لذلك وجد الملصق السياسي ودوره المهم في تجسيد الحدث البارز في تاريخ أمتنا، وكان هناك الكثير من البورتريهات واللوحات لأهم الشخصيَّات الإعلاميَّة والشهداء، المتصدِّين للإرهاب وفاءً لهم ولزملائهم المُضحِّين بدمائهم الزكيَّة في سبيل الوطن، وقد زيَّنوا أعمالهم بإطارات من الورود والألوان المبهجة تعبيراً عن الأمل والتفاؤل الذي ينشره الشهيد بدمه الطاهر في كلِّ أرجاء الوطن.
العدد 1207 –1- 10 -2024