زفاف مؤجل

الملحق الثقافي- بدر إبراهيم أحمد:
«انتهى عصر ألف ليلة وليلة وعلينا أن نتعامل مع العرب بعد اليوم على أساس جديد»..وزير خارجية فرنسا
كان كل شيء هادئاً ورتيباً صباح يوم الجمعة، السماء صافية إلا من ندف غيوم هنا وهناك، نسمات تشرينية باردة قادمة من الغرب من جبل الشيخ، كان الرقيب جهاد منزوياً في خيمته، مفترشاً العازل، وحيداً تؤرجحه أفكاره، يفكر في خطيبته التي كان من المفترض أن يكون معها الآن في مغادرة لثمان وأربعين ساعة، ولسبب ما يجهله، أوقفت المغادرات!.
يتذكر الآن كيف أجل زفافه إلى ما بعد حزيران، ما أراد لعروسه أن ترتدي الأبيض في شهر «النكسة»، لكن دعوة الاحتياط المفاجئة أجّلت زفافه إلى وقت غير مسمى..
ظن أن دعوة الاحتياط روتينية بعد سنوات من هزيمة حزيران التي تجرّع مرارتها مثل أي مواطن عربي أصيل، وكان يومها طالباً في السنة الأولى في دار المعلمين، ولم يكد يعود من غربته في الجزيرة السورية حيث كان معلماً حتى دعي إلى الاحتياط.
ما كان له أن يعرف سبب الدعوة إلى الاحتياط، فالجيوش العربية بعد هزيمة حزيران لا حول لها ولا قوة، والشعور بمرارة الهزيمة طاغ على النفوس.
وما كان له أن يعرف لماذا أوقفت المغادرات والإجازات، فالأمور طبيعية ولا يوجد استنفار أبداً، كان يمنّى النفس بلقاء أهله ومن أحبّ.
لم يطلبه الملازم تيسير مساء أمس إلى لعب «دق» طاولة زهر ولكي يرد اعتباره، فلقد غلبه آخر مرة.
مضى يوم الجمعة الإداري، رتيباً يبعث على الملل، وزاد من ذلك، صيام شهر رمضان.
مساءً دعاه الملازم تيسير إليه، بادره جهاد مبتسماً: هل تريد أن ترد اعتبارك؟.
«هذا ما أريده بالضبط» أجابه الملازم تيسير، «ولكن ليس في طاولة الزهر يا صديقي، كلنا مطالبون اليوم أن نعيد الاعتبار لأنفسنا».
غادر الرقيب جهاد مكتب الملازم متأخراً فرحاً، لكن فرحه اليوم لم يكن لانتصار بسيط في طاولة الزهر، بل لأنه أدرك أن فجراً جديداً سيولد، وأن الغد سيكون مختلفاً.
ولم يكن صباح السبت مختلفاً بالنسبة لفصيلة الـ م/ د. سار كل شيء كالمعتاد حتى الثانية عشرة ظهراً، اجتمعت الفصيلة بأمر من قائدها باللباس الميداني الكامل، استعرض الملازم تيسير جنوده واحداً واحداً، مشى طويلاً أمامهم، مقاطعاً يديه خلف ظهره، مستجمعاً كلماته، محتاراً كيف يبدأ!.
كان الصمت سيّد الموقف ولا شيء يتحرك سوى العيون القلقة المترقبة، توقف جانب الرتل، تفرّس في وجوه الجنود التي تخفي الخوذ أغلب معالمها، صوّب نظراته إلى عيني كل واحد منهم، ربما أراد أن يتفرّس رباطة جأشهم، اكتشف كم هو رائع أن تسلم على الآخر بعينيك فقط، وأن يحضن المقاتل زميله بعينيه فقط.
ران الصمت أكثر، خاف أن يعتري كلماته الوهن، أرسل نظره إلى الغرب نحو قمة جبل الشيخ، مستمداً من الجبل ثباتاً كان يحتاجه، ثم نطق:
«إخوتي المقاتلين .. في وقت قريب، ربما أقل من ساعة أو أكثر، سنكون في معركة مع العدو.
سالت كلماته عرقاً بارداً على جباه جنوده الذين بدا لهم الأمر «ضرب من الجنون» ماذا يهذي هذا الضابط الصغير؟! وعن أي معركة يتحدث؟! تساءل كل جندي في قرارة نفسه..
«سنقاتل العدو .. سنأخذ زمام المبادرة .. نحن في انتظار الأوامر.. كونوا رجالاً ..»
غمرت الجنود موجة فرح مباغتة انطلقت الصيحات:
« الله أكبر … تحيا سورية… تحيا فلسطين … تحيا الأمة العربية».
ظل الملازم تيسير يبعث الحماس في جنوده مبلغاً- التعليمات لهم حتى الساعة الثانية ظهراً أو قبلها بدقيقتين عندما رأى الجميع أسراب طائرات الميغ محلقة باتجاه الجولان المحتل.
أُعطي الأمر للطائرات بالإقلاع لتنفيذ مهامها قبل أن تُعطى الإشارة لوحدات المدفعية بفتح النيران على المواقع المعادية الأولى في الجولان، تزامناً مع اجتياز الطائرات لخط وقف إطلاق النار، وتسقط قنابلها على مراكز توجيه الطائرات المعادية في جبل الشيخ وتل أبو الندى وتل الفرس وعلى تجمع الدبابات هناك أيضاً لتبدأ بعد ذلك عملية الاقتحام.
اندفعت ثلاث مجموعات مشاة لفتح ثغرة أمام المدرعات على جبهة جباتا الخشب وتم اختراق خط آلون الدفاعي في اليوم الثاني للحرب وصولاً إلى مشارف طبرية..
التحم البشر كما التحمت الدروع في خضمّ ذلك، اندفعت ثلاث دبابات معادية محاولة تطويق السرية، فاندفع جهاد نحو الدبابة الأولى كالسهم تاركاً خلفه صيحات زملائه محذرةً، قفز فوق الدبابة فتح الغطاء وألقى قنبلة يدوية بداخلها، منتشياً بذلك ورافعاً إشارة النصر، لم يعرف من أين جاءته رصاصة قاتلة، ربما من قنّاص غادر لم يكن يدري أنه يحدد موعداً قريباً لزفاف مؤجل.
                           

العدد 1207 –1- 10 -2024     

آخر الأخبار
معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق سرقة أجزاء من خط الكهرباء الرئيسي المغذي لمحافظتي درعا والسويداء الاحتلال يصعد عمليات الهدم والتهجير القسري في طولكرم ومخيمها إسبانيا وبولندا ترحبان بإعلان تشكيل الحكومة السورية "تجارة حلب" تختتم فعاليات مهرجان رمضان الخير وليالي رمضان مُحي الدين لـ"الثورة": نجاح الحكومة يستند إلى التنوع واختلاف الآراء والطاقات الشابة