ثورة أون لاين -عبد الحليم سعود:
ما من شك بأن الحدث الأميركي المتمثل بجريمة مينابوليس العنصرية بحق مواطن من أصول أفريقية على يد الشرطة الأميركية وما تلاها من احتجاجات وأعمال عنف من قبل المحتجين وما قوبلت به من أعمال قمع وحشية واعتقالات طالت الآلاف، قد سرق الأضواء قليلاً من حدث العام 2020 أي حدث تفشي وباء كورونا عبر العالم وحصده لملايين الإصابات ومئات آلاف الضحايا خلال أشهر قليلة، وإذا ما واصلت الاحتجاجات الأميركية تمددها ــ شملت حتى الآن 24 ولاية أميركية ــ وانتقالها إلى دول أخرى احتجاجا على سياسة التمييز العنصري، فمن الممكن أن نشهد تطورات متدحرجة وغير متوقعة قد تطيح بالنظام الأميركي أو على الأقل تضع إدارة ترامب في مهب الريح بما في ذلك خروج هذا الرئيس المتهور الإشكالي من المشهد السياسي على بعد أشهر قليلة من انطلاق الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهو الذي بدأت ولايته بمظاهرات صاخبة احتجاجا على انتخابه المثير للشكوك.
لا نبالغ إذا قلنا بأن العالم بأجمعه مشدود للحدث الأميركي وتفاعلاته اللحظية، لما يمكن أن يتمخض عنه من تطورات قد ترخي بظلالها على مستقبل العالم أو ما قد يسببه من صراعات جديدة بين الدول الكبرى على خلفية ما يطلقه ترامب المأزوم من اتهامات لا تستثني أحداً، ولاسيما أن الولايات المتحدة منتشرة بنفوذها وأساطيلها وقواعدها وتدخلاتها غير الشرعية في معظم بقاع العالم وأغلب مناطقه الساخنة والمتوترة.
ما يلفت النظر ويثير الاستغراب إزاء تلقف الحدث الأميركي على أهميته وخطورته هي البرودة والفتور اللذين تعاطت بهما دول الغرب مع الحدث وكأنها غير معنية به أو غير مرتاحة لما يجري على الساحة الأميركية، رغم تفاعلها المبالغ به وتدخلها بأحداث مشابهة أو أقل منها حدثت في دول أخرى، ما يكشف ازدواجية في النظرة والمعايير تجاه كل القيم والمبادئ التي يدعي الغرب الدفاع عنها.
فالجريمة التي حدثت في أميركا تعني البشرية جمعاء، لأنها جريمة عنصرية تستهدف عرقا بشريا لا يقل أهمية عن باقي الأعراق البشرية، والانتهاكات التي أقدمت عليها السلطات الأميركية في تعاطيها مع المحتجين السلميين لا تقل وحشية عن الصور التي فبركها الإعلام الغربي في منطقتنا وفي غيرها من المناطق، وكأن المواطن الأميركي الأسود هو أقل إنسانية من غيره حتى يتم تجاهل معاناته في أميركا، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على تحيز الإعلام الغربي وحكوماته إلى جانب القاتل المذنب، فحتى هذه اللحظة لم نسمع إدانة واحدة من قبل أي دولة غربية لما يجري من قمع وحشي للمحتجين في أميركا، ولم يتوجه أي لوم غربي للرئيس الأميركي الذي يسير ببلاده نحو كارثة بسبب اعتدائه على الحريات العامة واعتقال الناس وتعذيبهم في الشوارع من قبل الجيش والشرطة، بينما كان هذا الغرب يقيم الدنيا ولا يقعدها إزاء أي حادثة مشابهة في روسيا أو الصين أو دول مناهضة للأطماع الغربية، فأين ذهبت غ
يرة الدول الغربية على حقوق الإنسان وهي تنتهك أمام العالم في ساحات واشنطن ونيويورك وبقية المدن الأميركية، وأين أصوات مندوبيهم في مجلس الأمن والأمم المتحدة وممثليهم في منظمات حقوق الإنسان من الحدث الأميركي الذي أثار زوبعة من التساؤلات الكبيرة حول القيم والمبادئ التي يدعي الغرب الدفاع عنها.
يمكن القول إن جريمة مينابوليس وما تلاها من أحداث قد عرّت زيف الشعارات الأميركية بخصوص الحريات وحقوق الإنسان، وأسقطت الإدارة الأميركية الحالية بنفس الحفرة التي حاولت حفرها لخصومها في سنوات ولاية ترامب السوداء، ولكن هذه الإدارة لم تسقط لوحدها في هذه الحفرة بل أسقطت معها كل الحكومات الغربية التي تتستر على الجرائم الأميركية في سورية والعراق وكل المنطقة، وكل القوى التي تتحالف مع واشنطن من أجل قهر الشعوب الحرة وتجويعها بسياسات العقوبات والحصار الاقتصادي وافتعال المشكلات والأزمات لها، ما يؤكد مرة جديدة على نفاق الغرب حين يرفع شعارات الحرية وبقية الشعارات ذات الصلة بحقوق الإنسان، ويؤكد أيضا سقوط مصداقيته بشكل لا يقبل النقاش والجدل.