الثورة أون لاين:
إن بحث الوضع المائي في منطقتنا العربية يشير إلى أنها تواجه عجزاً مائياً، وهذا العجز تساهم فيه تركيا لغاية خلق مشكلة غير مشكلة تقاسم المياه مع العراق وسورية.
فمن أهم أسباب تفاقم أزمة المياه بين دول حوض نهر الفرات هو قيام تركيا بربط موضوع مياه الحوض بملفات لا تمت بصلة لموضوع المياه.
فتركيا تنطلق من أن ملف المياه ما هو إلا وسيلة ضغط وسلاح تحارب به سورية والعراق والمنطقة العربية بمجملها.
ولعله من المفيد التذكير بأن تركيا حاولت اختلاق المشاكل سابقاً، وقبل بدء الحرب العدوانية على سورية من خلال طرح مشروع أنابيب السلام، والذي كانت الغاية منه تحقيق أهداف تركيا في المنطقة.
فتركيا التي تكرر زعمها على أنها مضطرة لخفض كميات مياه نهر الفرات المتدفقة إلى سورية والعراق تهدف من وراء ذلك تحقيق غايات سياسية في المنطقة.
من هذه الغايات بناء علاقات إقليمية تكون فيها صاحبة القرار للمساومة على حل كثير من قضاياها العالقة مع دول الجوار، ولتعزيز دورها كأهم عنصر جغرافي مؤثر في توازن واستقرار المنطقة برمتها ما يتيح لها التدخل بشكل مباشر في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية لها، ومقايضة المياه بالنفط العربي، وإيصال المياه للكيان الصهيوني.
إن محاولة تركيا الضغط على سورية من خلال تخفيض حصة سورية من مياه نهر الفرات هو لغرض تنفيذ مخطط محكم السيطرة على جميع المياه المتدفقة من أراضيها، ما يساعد على تعطيش مناطق شاسعة من سورية والعراق، الأمر الذي يدفع الدولتين من وجهة نظر تركيا للقبول بالاملاءات والمشاريع التركية في المنطقة.
هذا ويطرح الأتراك مجموعة من الحجج الواهية والتي لا تستند على أي مسوغ قانوني من أجل تبرير تصرفاتهم في تخفيض منسوب مياه نهر الفرات، وتقليل حصة سورية والعراق من المياه.
ومنها أن نهر الفرات ليس نهراً دولياً، وإنما هو نهر عابر للحدود، وبالتالي خاضع للسيادة التركية المطلقة، وأن مياهه مملوكة قانونياً لهم، فكما يملك العرب النفط يملك الاتراك المياه.
وتعتمد وجهة النظر التركية المزعومة على أنه لا يوجد حتى الآن مجموعة شاملة من القواعد أو المبادئ في القوانين الدولية تحدد الحقوق والواجبات لدول تقع ضمن أراضيها أقسام من مجرى مائي عابر للحدود، كذلك فإنه على الرغم من وجود اتفاقيات دولية ثنائية أو جماعية لمياه الأنهار إلا أنه لا يوجد قانون ملزم ينظم الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه العابرة للحدود على حد زعم أنقرة، ما يعني أن تركيا غير ملتزمة بمبدأ السيادة المشتركة على حوض الفرات بل ملتزمة بالمبادئ القانونية التي تراها مناسبة لتحقيق مصالحها.
ومن حجج الأتراك الضعيفة أنه لا يمكن الركون إلى عمل لجنة القانون الدولي للأمم المتحدة التي تعكف على صياغة قواعد النظام القانوني لمجاري المياه الدولية إذ إن عمل هذه اللجنة لا يمكن الأخذ به بصفة قانون إلزامية ما لم تصادق عليه الدول.
فالأتراك يرون أن هناك فراغاً قانونياً في المواضيع المائية الدولية، وأن لهم الحق بمخالفة قواعد القانون الدولي إذا كانت مصالحهم تتطلب ذلك.
جدير بالذكر أن جميع الاتفاقيات التي وقَّعتها تركيا سابقاً بخصوص نهر الفرات والملزمة لها قانوناً، والتي تؤكد على دولية النهر.. وقَّعتها مع وجود الانتداب البريطاني والفرنسي في المنطقة.
إن الموقف السوري بالنسبة لمياه نهر الفرات يقوم على أساس قانوني واقعي يرتكز على أن نهر الفرات نهر دولي لا يختلف عن نهر النيل أو الدانوب، وهذا ما أكدته جميع الاتفاقيات الدولية وخاصة اتفاقية (هلسنكي) عام 1966، واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، كما أن حق سورية في مياه نهر الفرات هو من الحقوق المكتسبة الأصلية التي لا يمكن أن تنتقص منها النيات التركية الخبيثة.. وتلك الحقيقة هي من المسلمات التي تعرفها جميع الدول، والتي لا يمكن للمخططات التركية أن تغير في القناعات تجاهها.
الدكتور: ساجر حميد الخابور – أستاذ القانون الدولي الخاص بكلية الحقوق – جامعة دمشق