يقف العالم عند مفترقات صعبة كاتماً أنفاسه بانتظار اللحظة الحاسمة ما بين انفراج أو انفجار مواجهات حاسمة كبرى قد تضع العالم سريعاً في دائرة حرب كونية شاملة تنذر بكوارث كبرى لم تشهدها البشرية على امتداد تاريخها الطويل.
ففي مشارق الكرة الأرضية ومغاربها وفي شرقها الأدنى والأقصى وفي أطراف القارة العجوز يرتفع مستوى التوتر منذراً بالانفجار الأكبر ، ولا تكاد تبدو في الأفق بوادر توصل إلى توافقات تضبط العلاقات الدولية المأزومة طالما تغيب الحكمة وتحضر حسابات السيطرة والاستحواذ وتتجلى القوة العسكرية بأشكال غاشمة .
وهنا فإن الحرب الحاصلة في أوكرانيا منذ ستة أشهر تمثل المقدّمة الأخيرة والعامل الفاعل في فتح دائرة الصراع ، بعدما كانت منطقتنا العربية المقدّمة الأولى لذلك ، فقد بدأت تجارب الغرب الاستعماري تأخذ طريقها في منطقتنا العربية عبر نماذج مختلفة بهدف اختيار النموذج الأكثر فاعلية في خدمة الهدف الاستعماري الغربي سعياً لنقله إلى مناطق النزاع الأوسع في الصين وأوراسيا ووسط آسيا ، باعتبارها المناطق المرشحة للنهوض والوقوف في وجه القوة الأميركية المتسلطة.
واليوم تفتح نيران التوتر في بحر الصين ومضيق تايوان كمقدّمة محتملة لنشوب حرب جديدة في ذلك الطرف القصي من العالم القديم ، فتعود الولايات المتحدة الأميركية للقيام بذات الدور الذي تقوم به في أوكرانيا من خلال الإمداد المتواصل بالسلاح والمال تنفيذاً لسياسة التآكل الذاتي البطيء فتضعف القوة الصينية المتنامية كما خططت لإضعاف القوة الروسية الصاعدة عسكرياً بسرعة الضوء .
ولكن هل تمضي هذه السياسة دون رد مقابل ؟
بالطبع لا ، فكلّ من روسيا والصين تدركان الأبعاد والمرامي العدوانية للولايات المتحدة الأميركية ، وهما تمتلكان سلاح الرد الكافي ، فضلاً عن الميزة التفضيلية التي تمتلكانها بقوة ، وهي القدرة على احتمال صدمة العدوان والاستمرار في المواجهة دون توقف بالمطلق ، خلافاً لوضع وحال كلّ من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية العاجزة عن احتمال أي صدمة كبيرة ، فهي تريد حرباً بالوكالة تقطف ثمارها كما اعتادت على امتداد خمسة قرون من السيطرة الاستعمارية ، بأشكال متعددة.
وتبقى النقطة الأهم والعامل الأكثر فاعلية متمثلة في النتيجة التي تعرفها بدقة كلّ أطراف الصراع ، وهي أن أي مواجهة كبيرة ستكون نتائجها كارثية على مستوى العالم كله ، لتكون بذلك الرادع الأكبرلعدم الإقدام على أي مجازفة كارثية ، ليبقى احتمال وصول أحد الحمقى إلى موقع القرار في اتخاذ قرار الحرب منذراً بحرب كونية لا تبقي ولا تذر عندها.