كان لنا أيامٌ يحرجنا فيها إكرام الضيف. طبعاً لا نبالغ كثيراً .. لكن إكرام الضيف كان واجباً يحرج الكثيرين .. وللعرب في ذلك مبالغات رسمها الأدب العربي بصور شعرية وقصصية مختلفة .. حتى اعتبرت قصيدة الحطيئة الشهيرة بعنوان قصة كرم، هي البزوغ الأول لنهار القصة القصيرة في الأدب العربي..
وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل بتيهاء لم يعرف بها ساكن رسما
أخي جفوة فيه من الأنس وحشة يرى البؤس فيها من شراسته نعمى
وأفرد في شعب عجوزاً إزائها ثلاثة أشباح تخالهم بهما
رأى شبحاً وسط الظلام فراعه فلما بدا ضيفاً تسور واهتما
حلت المشكلة بصيد ثمين.. وكان اللحم دائماً عنواناً لإكرام الضيف.. وتوجيبه والإقرار بعلو مقامه.. فمن الجمل أو الحصان ونزولاً إلى العجل والخروف.. ثم الديك والفروج.. إلى آخر سلسلة الأضاحي.
عندنا في أيام الفقر السابقة.. وما لم تتدخل الهامات الدينية.. كان إكرام الضيف محصوراً بين الديك والفروج “الشلوف” أو يا ضيفنا شاركنا خبزنا .. وبلا عتب ..
اليوم.. يرجى وضع العتب جانباً .. فلم يعد الفروج رهن الإشارة .. وبالمقدور .. وغير مسموح له أن يبلغ مقام الديك .. وحتى الكرم بالبيضة له حساباته..!!! ورغيف الخبز بشق النفس .. وعلى الضيف أن يثبت أهليته للدعم .. وإلا .. رحل بلا طعام .. العين بصيرة واليد قصيرة ..
ليس البخل هو السبب أبداً ومن ساواك إلى نفسه ما ظلمك .. نحن أيضاً في يوميات طعامنا يحرجنا ذلك كله ..
لن أدعي أننا في مراحل الفقر الأولى التي نعود إليها اليوم .. كنا نسيّح الدم على كل وجبة .. أو بين الوجبة والوجبة .. أكان دم الفروج “الشلوف” أو شقيقه الأكبر “الديك” ولا الأكبر منهما .. بل – لله والحق -… نحن اليوم نصل للحم الفروج والديك وحتى الخروف والعجل أكثر ولو بالرائحة .. لكن .. أية رائحة ..؟!
أيام الفقر القديمة كان للفروج .. واللحم عموماً رائحة.. نشتهي الخبز .. تأكله حافاً.. واليوم له رائحة تجعلك تهرب منه.. فترفع الدعم عن معدتك وتنام عاصب البطن مرمل كما قال الحطيئة..
في أيام الفقر الأولى كان الفروج يعرض نفسه حياً بين إخوته وأبيه وأمه.. واليوم تجده مغطساً بماء سيئ.. حتى ترى التسعيرة.. فتنسيك القرف وتذكرك بالضيف الذي ينتظر أن تذبح له فروجاً..
As.abboud@gmail.com