أواسط عام 1991 التقيت بالسيدة الدكتورة نجاح العطار للمرة الأولى بعد عشر سنوات من عملي في هذه الصحيفة، وذلك إثر انتقالي إلى القسم الثقافي معاوناً لرئيسته الصديقة الغالية نهلة كامل بناءً على رغبتها. كنا يومذاك على عتبات المؤتمر الأول لاتحاد الصحفيين. وانشغل الزملاء بهذا الحدث، كلّ على طريقته. واخترنا في القسم الثقافي عنواناً رئيسياً عن العلاقة بين الصحافة والثقافة، دعونا عدداً من مثقفينا وأدبائنا للكتابة فيه. فاستجابوا – مشكورين – وأغنوا صفحتنا بكتاباتهم القيّمة.
كانت درة النصوص الذي أملنا الظفر بها، ذاك الذي يحمل توقيع الدكتورة نجاح العطار. أنصتت بعمق لأمنيتنا. وأعطتني موعداً قريباً لتلبيتها. وفي الموعد الدقيق قرأت لي ما كتبته، بصوتها الرخيم ولغتها الساحرة. (من أجل سماع ملاحظاتي، كما قالت). وكنت على يقين أن ذلك لم يكن الا تبريراً لبقاً لغاية ألا يقع خطأ عند طباعة النص. وهو حرص شهدته على امتداد السنوات التالية حين كانت تتصل لتخبرني أنها أرسلت مقالة للصحيفة. طالبة مني، بتهذيبها الفائق، تدقيقها بعد تجهيزها للنشر وقبل دفعها للمطبعة. لكني في واقع الحال لم أفعل هذا يوماً، لسبب وحيد وجيه هو وجود مدققين عريقين متمكنين من اللغة العربية وعاشقين لها، كما هو حال الأصدقاء الأعزاء: محمود اللحام ونايف شقير وحسن حسن. كنت أدخل قسمهم فأجد المقالة قد سبقتني. وأجدهم يترنمون بلغتها الفارهة، فأكتفي بمشاركتهم تلك المتعة الأدبية..
كان النص الذي منحته الدكتورة العطار لصفحتنا – كما نصوصها جميعاً – على درجة سامية من التناغم بين فخامة اللغة وعمق المعنى. ومما لا أنساه منه تأكيدها على منهجٍ للعمل في الصحافة الثقافية يقوم على رؤية شاملة لما يجب الكتابة عنه. ولا يكتفي بما يرد عبر صندوق البريد.
كتب الكثير الكثير عن الدكتورة نجاح العطار- وهو بعض ما تستحقه – سواء عن شخصها كأديبة مثقفة ثابتة القيم الوطنية والإنسانية. أو كصاحبة مشروع ثقافي طموح تشمخ شواهده بمكتبة وطنية، ودار للثقافة والفنون، ومعاهد للموسيقا والمسرح، وفرقة سيمفونية وطنية، ومراكز ثقافية ومتاحف تنتشر في كلّ مكان، وصالات عرض ومعارض، ومهرجانات للسينما والمسرح والموسيقا وبينالي للفنون التشكيلية. وإلى ذلك إصدارات ثقافية بالغة الأهمية. ودوريات فصلية متخصصة حظيت دائماً بتقدير واسع. ومشروعان بقيا رهناً بالمستقبل: متحف الفن الحديث، والمدينة السينمائية.
قبل خمس وعشرين سنة كان مجلس إدارة نقابة الفنون الجميلة في زيارة رسمية لمسؤول كبير في الدولة لعرض واقع الحياة التشكيلية، والصعوبات التي تعترض عمل النقابة، وتكرر أثناء الزيارة الإشادة بما قدّمته الدكتورة نجاح العطار للفن التشكيلي، وكانت قد غادرت وزارة الثقافة حين ذاك، فعلق مضيفنا بدفء: «أنتم منحازون للدكتورة نجاح»، وسرعان ما أجاب أحدنا: «بل هي المنحازة لنا»، لترتسم ابتسامة ودودة على وجهه، قالت الكثير، دون كلمات.
ما قاله التشكيليون عن انحياز الدكتورة العطار لهم، يقول مثله الأثاريون والموسيقيون والمسرحيون والسينمائيون والأدباء. والشواهد على صدق حديثهم أكثر من أن تُعّد. إلا أن القول الأكثر بلاغة، والشكر الأعظم قدراً، عبّر عنه السيد الرئيس بشار الأسد بتقليدها وسام أمية ذي الرصيعة، الوسام الأرفع في الجمهورية العربية السورية..
«لأنها حملت الوطن في قلبها وروحها، وناضلت لأجله قولاً وفكراً وعملاً وإنجازاً»