الثورة – ياسر حمزة:
من شرفة منزله المطلة على مجموعة من المقاهي في أحد أحياء دمشق كان الرجل يرى ويراقب بشكل شبه يومي مجموعة من الأطفال المتسولين أو ما بات يطلق عليهم أطفال الشوارع, وهم يتجولون بين هذه المقاهي وطاولاتها المتناثرة على الأرصفة, يتلقفون كل ما يجود به زبائن هذه المقاهي من نقود ومأكل ومشرب, وفي ساعات الليل الأخيرة كان هؤلاء الأطفال ينامون في مداخل أحد الأبنية, لا غطاء ولا وطاء, بل أجساد بعضهم لبعض كانت الغطاء والوطاء.
في أحد الأيام استيقظ هذا الرجل باكراً على غير عادته وخرج إلى شرفة منزله وبدأ يسمع ضحكات أطفال آتية من اتجاه المقاهي, وعندما أمعن النظر وجد عدداً من هؤلاء الأطفال وقد تحلقوا حول طاولة من الطاولات الفارغة من زبائنها, وهم يمارسون نفس الطقوس التي كان يمارسها زبائن هذه المقاهي من طلب للشاي والقهوة والأركيلة وكل ما يخطر على بالهم, وسط ضحكات تعبر عن سعادة عامرة يعيشها هؤلاء الأطفال, على الرغم أن ما يقومون به كان وهماً وتمثيلاً وكذباً على واقع مرير.
شعر الرجل بحزن شديد على هؤلاء الأطفال, وقام سريعاً إلى المطبخ وعمل إبريقاً من القهوة وإبريقاً من الشاي, وحمل ما تيسر له من الأطعمة وعدداً من الأرغفة وتوجه نحوهم وبسط لهم ما حمله وسط دهشتهم الممزوجة بالسعادة والخوف في آن معاً, سعادة من تحول الحلم إلى حقيقة وخوف أن الحلم لا يدوم.
عاد الرجل إلى منزله وهو في سعادة لم يشعر بها طوال حياته, ونام من فوره دون أحلام مزعجة, كانت تنغص عليه عيشه, وفسر ذلك أنه الآن وجد معنى لوجوده.