يعيش العالم حقبة مثيرة من التطور التكنولوجي، ومن بين التقنيات الرائجة التي تشهد تقدماً هائلاً الذكاء الصناعي الذي يقوم بتطوير الأنظمة، والبرامج القادرة على محاكاة الذكاء البشري، وربما في مرحلة قادمة ستتجاوزه، وبالتالي تقوم بتنفيذ المهام التي تتطلب تفكيراً، وتحليلاً معقداً.
وبعد أن بدأ هذا الذكاء الصناعي يتفوق في أداء مهام صعبة لم تكن على الخاطر ولا على البال فقد بات من المتوقع أن يشهد مجاله خلال السنوات الخمس القادمة تقدماً مذهلاً، وإنجازاتٍ مبهرة تؤثر على مختلف جوانب الحياة البشرية.
أحد هذه المجالات التي ستشهد نمواً كبيراً هو مجال (الروبوتات الذكية) التي ستتطور باتجاه أن تصبح أكثر تفاعلية، وقدرة على فهم البيئة المحيطة بها لتكون قادرة بالتالي على التعلم المستمر، والتكيّف مع التغيرات، مما يجعل منها شريكاً فاعلاً في العمل، والحياة اليومية. وقد نشهد استخدامات دقيقة لها، وأكثر تخصصاً في مجالات مثل الخدمات الصحية، والتعليم، والتصنيع، والزراعة، حيث يمكنها تحسين الكفاءة، والدقة، وتقديم حلول مبتكرة.
مجال آخر يشهد تقدماً هو تطوير السيارات ذاتية القيادة التي تستخدم التكنولوجيا المتقدمة في الاستشعار، والتعرف على الصوت، والرؤية الحاسوبية لتحقيق قيادة آمنة وذكية، وعندئذ ستصبح السيارات قادرة على التعامل مع المواقف التي تتطلب تفكيراً استراتيجياً، واتخاذ قرارات سريعة تؤدي إلى تحسين سلامة الطرق، وتقليل حوادث المرور.
أما المجال المذهل الآخر فهو الرعاية الصحية الذكية والتي ستسهم فيه التكنولوجيا الذكية في تحسين تشخيص الأمراض وعلاجها، بل ستتطور تقنيات التعلم الآلي، وتحليل البيانات بما يمكّنها من تحليل السجلات الطبية الضخمة، وتوفير توصيات دقيقة للأطباء. وكلما ازداد استخدام (الروبوتات) في الرعاية الصحية تطورت المساعدة في إدارة الأدوية، ورعاية المرضى وتقديم الدعم العاطفي لهم.
وفيما يخص التعليم فسوف تتواجد فيه أيضاً التقنيات الذكية في الفصول الدراسية، والمناهج التعليمية، ما يسهم بدوره في تحسين عملية التعلم ذاتها عندما تتوافر تجارب تعليمية مخصصة لكل طالب حسب مستواه الدراسي، والفكري وذلك لدعم الطلاب في مسيرتهم، وتعزيز تفاعلهم مع المواد الدراسية.
كذلك ستشهد التجارة الإلكترونية، وتحليل البيانات، والترفيه، والأمن السيبراني تقدماً ملحوظاً، بينما تتواصل التطورات الهائلة في مجال الذكاء الصناعي والتكنولوجيا المرتبطة به لتعزيز حياة البشر، وجعلها أكثر تفوقاً.
وعند هذه المرحلة التي ستتسم بتشكل الوعي لدى تقنية الذكاء الصناعي فسيكون لزاماً علينا مواجهة تحديات بشأن هذه التقنيات مثل أخلاقيات استخدامها، والأمان في التعامل معها، وصيانة الخصوصية، وضمان وجود إطار قانوني يحكم التكنولوجيا ويحمي حقوق المستخدمين كما أجسادهم، وأعمارهم.
وإذا كنا نتوقع أن يحقق الذكاء الصناعي تقدماً مذهلاً في السنوات الخمس المقبلة فإن ذلك سيؤثر لاشك على حياة الناس، والمجتمعات كافة بشكل كبير، ما يوفر فرصاً جديدة، وحلولاً مبتكرة في مجموعة متنوعة من المجالات. ولكن علينا أن نتعامل مع هذه التكنولوجيا بحذر بحيث نضمن استخدامها بطرق سليمة، وصحيحة.
خمس سنوات فقط، وبعيداً عن قصص الخيال العلمي، وسنرى المخلوقات الآلية التي تعِد بأن تكون ذات ذكاءٍ واعٍ له القدرة على محاكاة الفكر البشري، وبعد أن اكتسبت مظهراً بشرياً بوجوه تشبه وجوهنا، سنراها تتجول بيننا كما لو أنها أبناء لنا، أو أننا نحن أبناء لها، ولا ندري أنحن مَنْ يحيط بها، أم أنها هي التي تحيط بنا لترعانا، وتؤمن رفاهية حياتنا المعاصرة التي تكاد تخلو من أي معنى سوى التقدم التقني بآفاقة اللانهائية، وبابتكاراته التي تكاد تصبح يومية.
وكما أن العلم لا ينفصل عن الفلسفة كذلك الأخلاقيات لا تنفصل عنها فهل سيظل باب النقاش مفتوحاً على مصراعيه بينها جميعاً، أم أنه سيكون موارباً ريثما يتم تطبيق التجربة كاملة، ويصبح الذكاء الصناعي الواعي إلى حد ما جزءاً لا يتجزأ من العائلة الإنسانية الكبيرة؟ إنها خمس سنوات فقط التي تفصلنا عن الإجابة على هذا السؤال بشكل حاسم.