كلما ضاقت مساحة الخيال وجف ندى اللغة عندي وأصبحت مهيضاً لا يقوى جناحاي على التحليق لا أجد بداً من العودة إلى ديوان شاعر ما أعيد القراءة وشحذ مفردات اللغة بطاقة لو كانت مستعارة لكنها على الأقل تستر عريها ..
بدوي الجبل واحد من هؤلاء الشعراء الذين تذهب معهم إلى تخوم المجرات في كل شيء..
أمس كان ديوان البدوي رفيق الرحلة.
استوقفتني قصيدة مي تزور وطنها وكان ذلك عام ١٩٢١م إذ زارت لبنان وكانت لها محطة في بعلبك ثم إلى دمشق التي رحبت بها كثيرا ..
وكانت قصيدة مي هذه من بواكير الشاعر البدوي ..
يا بردى الشام وقد أقبلت
مي الفتاة الغادة الشاعرة
لا ننكر السوق فقد صفقت
من وجدها أمواهك الطاهرة
حدث عن الماضي وإعراسه
وعن صروف الزمن الغادرة ..
وعن عروش حسدت مجدها
في الأفق هذي الأنجم الزاهرة
واتلي على مي رواياتهم
فإنها مبكية زاجرة
ويعاتب الشاعر الشاب حينها مي زيادة عتاب المحب لمجدها الإبداعي وكم يتمنى لو أنها زارت اللاذقية وعرجت على ضريح التنوخي حيث هو :
يا مي والأرزاق مقسومة
سبحان من قسمها في الأنام.. قبر التنوخي الظهور الثرى
ما ضرّ لو حييته بالسلام
ما أحوج القبر إلى دمعة
من جفن مي لا جفون الغمام
فابكي على القبر الذي ضيعت
أمجاده الفرقة والانقسام
واتلي على القوم أحاديثه
فإن فيها عبرة للانام ..
أما التنوخي الذي يدعوها لزيارة ضريحه فهو أمير اللاذقية الذي رثاه المتنبي حين وفاته.
مرّ على هذه القصيدة قرن وعامان وما زالت الفرقة التي تحدث عنها الشاعر تفتك بالجميع ..لقد حان وقت أن نردد كلنا في الهم عرب ..