الثورة – لميس عودة:
مئة وستة أعوام على وعد بلفور المشؤوم مضت ولم تزل فلسطين على اتساع مساحة جرحها تنزف وتقاوم العدو الغاشم، فوعد من لا يملك الأرض ولا الحق لمن لا يستحق كان أولى نصال الغدر التي استهدفت جسد منطقتنا، وأكبر الجرائم التاريخية التي تآمر فيها الغرب الاستعماري المتصهين وزرعوا الكيان الغاصب المارق على الجغرافية والتاريخ بؤرة إرهابية في قلب المنطقة، ومازالت نصال المؤامرة ذاتها تستهدف للحظة الراهنة دول محور دعم فلسطين التي لم تحرف بوصلة ثوابتها وبقيت قابضة على جمرات مبادئها في وجه مخططات تصفية القضية الفلسطينية وتفتيت وتمزيق منطقتنا خدمة للعدو الصهيوني، فالوعد الجريمة أرّخ لبداية فصول الوجع العربي وبداية المأساة الفلسطينية يوم زرعت بموجبه ” إسرائيل” عنوة كياناً عنصرياً توسعياً إرهابيا في قلب الوطن العربي.
هذا الوعد الذي لا يزال الفلسطينيون على اتساع رقعة وطنهم المحتل يعانون تبعاته استهدافاً جسدياً وتهجيراً وسلب أراضيهم وممتلكاتهم لتوسيع الاستيطان غير الشرعي، ويدفعون ثمنه نزيفاً دائماً على مساحة فلسطين المحتلة، لم تشعر بريطانيا يوماً بعار وفداحة فعلتها، ولم تحاول حكوماتها المتعاقبة التكفير عن جريمتها النكراء بإصلاح الغبن التاريخي الذي ألبسته ظلماً للشعب الفلسطيني وبقيت تمعن بدعم الباطل الصهيوني.
قرن وستة أعوام على الوعد الظالم والمجحف ولم يطرأ أي تغيير أو تبديل في المشهد الدولي الذي نراه اليوم يكرر فصول إذعانه وعجزه عن إحقاق الحقوق ورفع الغبن ووقف الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني على مرآى من منظماته المعنية بحقوق الإنسان، ليس في غزة وحدها التي تتعرض لعدوان وحشي الآن، وإنما على اتساع رقعة الوجع الفلسطيني، ولم تتبدل سياسات الدول الاستعمارية الضالعة بالمؤامرة على الحقوق الفلسطينية المشروعة وفي مقدمتهم أميركا ومحور شرها من غرب متصهين.
– لمحة تاريخية..
وعد بلفور بدأ كفكرة راودت الصهاينة، لتبدأ فصولها تبرز في مؤتمر بازل سنة 1897، وعملت الصهيونية بكل ما أوتيت من مكر وخديعة لأخذ تعهد من الدول الاستعمارية الكبرى لتحقيق مرادها في اغتصاب فلسطين وتشكيل بؤرة استيطان صهيونية، وجاء الوعد البريطاني المشؤوم أشبه بنقطة تحول في تاريخ الحركة الصهيونية فوجد الصهاينة دولة كبيرة بحجم بريطانيا تتحمس لمشروعهم، لذا تقدموا ببرنامج خاص لإدارة فلسطين وتوطين الصهاينة فيها، فكانت فكرة تأسيس الوكالة اليهودية وتأسيس شركة ذات امتياز لشراء الأراضي وتوطين الصهاينة المهاجرين إليها، ثم قامت بريطانيا بإدخال وعد بلفور في وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين الصادرة من عصبة الأمم متواطئة في ذلك مع الدول الكبرى ليسري العمل بهذا الوعد المشؤوم بصفة رسمية وعلنية وبغطاء من عصبة الأمم لتكتمل بذلك المؤامرة على العرب والشعب الفلسطيني.
باندلاع الحرب العالمية الأولى توافرت الأجواء الدولية الملائمة لتنفيذ الايديولوجيا الصهيونية وذلك بإنشاء وتحقيق كيان يجمع شتاتهم المبعثر على امتداد القارات ولو حصل ذلك على حساب الشعوب الأصلية، وبدت بريطانيا الإمبراطورية الوحيدة القادرة على تنفيذ هذا الالتزام لعدة أسباب منها أنها الدولة الأوروبية الأكثر ظهوراً على الواجهة الإمبريالية، وأظهرت توجهاً نحو المنطقة العربية منذ وقت مبكر ما جعلها الرحم الحاضن للأجندات الصهيونية لينمو الجنين الصهيوني المشوَّه في رحم الدولة البريطانية منذ عام 1905.
وباجتهاد خبيث من كبار منظري الصهيونية لكسب الغطاء البريطاني للكيان الصهيوني المقترح بدأت عملية المغازلة الصهيونية مع بريطانيا وتحايلوا بأن توطين عنصر تابع لبريطانيا في فلسطين يمكن أن يشكل سداً منيعاً يوفر الأمان لقناة السويس ويحرس لبريطانيا مواصلاتها إلى الهند والشرق الأدنى، في مقابل تلك الخدمات العظيمة خفض الصهاينة مطالبهم في أن تخوض بريطانيا الانتداب على أرض فلسطين وتسهِّل إقامة وطن قومي للصهاينة وأصروا على ضرورة أن يكون محاطاً بـ”غطاء شرعي” ألا وهو الاعتراف الدولي.
– المؤتمرات الصهيونية والتآمر الغربي على فلسطين..
في 1897 عُقد أول مؤتمر للحركة الصهيونية في سويسرا حين أوصى «برنامج بازل» استعمار فلسطين و تأسيس الحركة الصهيونية العالمية، وعقد المؤتمر الرابع للحركة الصهيونية في 1904 و قرر تأسيس وطن قومي لليهود في الأرجنتين، لكن في العام 1906 قرر برلمان الحركة الصهيونية أن يكون الوطن القومي لليهود في فلسطين.
وتواصلت مساعي الحركة الصهيونية للحصول على وعود من الدول الاستعمارية الكبرى بإنشاء وطن قومي لهم حتى كان لهم ذلك في 2 تشرين الثاني 1917 حين قامت الحكومة البريطانية بإصدار “وعد بلفور” في هيئة رسالة من وزير خارجيتها جيمس آرثر بلفور إلى زعيم الحركة الصهيونية وتعهد فيها وزير الخارجية بأن تقوم حكومة مملكة بريطانيا بالعمل بأفضل ما يمكنها من أجل تحقيق هدف تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918 بدأ الصهاينة بالهجرة إلى فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني وفق قرارات عصبة الأمم، ووفق وعد بلفور وشروط الانتداب قامت سلطة الانتداب بتيسير هجرة اليهود بهدف تأسيس وطن قومي في فلسطين بدأ معها بشكل واسع و ضخم إنشاء مشروعات زراعية و اقتصادية تقوم بها الحركة الصهيونية خلال فترة الانتداب في فلسطين لحساب المستوطنين الجدد، كما ازدادت الهجرة الصهيونية إلى فلسطين.
واعتمد الانتداب البريطاني على فلسطين وبشكل ممنهج أربع وسائل رئيسية في سياسته لتثبيت الكيان الصهيوني في فلسطين وهي حق انتزاع الأراضي الفلسطينية، ودعم وتشجيع الهجرة الصهيونية، والتشجيع والدعم للمشروعات الاقتصادية الصهيونية، وقمع الشعب الفلسطيني.
وقامت بريطانيا بفتح الباب واسعاً أمام الصهاينة ليتملكوا قطاعات كبيرة وواسعة في فلسطين، وأما الدستور الفلسطيني الذي أصدرته إدارة الانتداب البريطانية فقد ذهب إلى أبعد من ذلك إذ وضع كل ثروات فلسطين الطبيعية من المعادن والمناجم والأنهار تحت تصرف المندوب السامي البريطاني وبشكل مطلق، الأمر الذي خوله بكل الصلاحيات في أن يؤجر ويهب الأراضي العمومية لمن يشاء، ومن البديهي أن تكون كل هذه الهبات لمصلحة الكيان الصهيوني، إذ إن سياسة الانتداب البريطاني آنذاك كانت قائمة على هدف انتزاع الأراضي من أصحابها الأصليين بيد ومنحها للكيان الصهيوني باليد الأخرى.
– باطل قانونياً..
بريطانيا بإصدارها هذا الوعد أعطت لنفسها الحق في أن تتصرف في فلسطين التي لا تملكها وتعطيها لمن لا يستحق ودون أن ترجع إلى أصحاب الأرض، الأمر الذي يجعل من هذا الوعد باطلاً تنعدم فيه الأهلية القانونية، فطرف التعاقد مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص و ليس دولة، شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي و هو روتشيلد، ومن شروط صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معروف هو أن يكون طرفاً أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ثم من الدول ذات السيادة ثانياً، أما التعاقد أو الاتفاق أو التعاهد مع الأفراد فهو باطل دولياً شكلاً و موضوعاً، و بالنتيجة فإنه ليس ملزماً حتى لأطرافه.
وقد فند مختصون في القانون الدولي هذا “الوعد” البريطاني وأكدوا بطلانه لعدة أسباب أهمها:
1- الوعد صدر عام 1917 أي في وقت لم يكن لبريطانيا فيه أي صلة قانونية بفلسطين.
2- احتلال بريطانيا لفلسطين حدث بعد صدور الوعد، ولأن قانون الاحتلال الحربي لا يجيز لدولة الاحتلال التصرف بالأراضي المحتلة.
3- الوعد أعطى فلسطين لمجموعة من الناس لا تملك أي صفة أو حق في تسلمها أو استيطانها أو احتلالها.
4- الوعد ليس اتفاقية أو معاهدة بين دول أو كيانات دولية ذات سيادة، فاللورد بلفور مسؤول بريطانى ولكنه لا يملك حق التعاقد باسم دولته، واللورد روتشيلد مواطن بريطاني صهيوني ولكنه لا يمثل اليهود المنتشرين في العالم والذين لم يكن لهم شخصية قانونية دولية.
5- الوعد أضر بالحقوق التاريخية والقومية المكتسبة لسكان فلسطين، فهؤلاء السكان موجودون في فلسطين منذ آلاف السنين، وقد اعترفت لهم الدول الحليفة والمنتصرة في الحرب العالمية الأولى بحق تقرير المصير وحق اختيار النظام السياسي والاجتماعي الذي يلائمهم.
6- الوعد يتناقض مع بعض المواد الواردة في ميثاق عصبة الأمم أو صك الانتداب، فهو مثلاً يتناقض مع المادة العشرين من الميثاق، وكان على بريطانيا أن تلتزم بهذا النص وتلغي التزامها بوعد بلفور، ولكنها لم تفعل، بل عمدت إلى تهيئة كل الظروف لدعم الحركة الصهيونية وإنشاء الكيان الإرهابي.
7- الوعد يتناقض كذلك مع المادة الخامسة من صك الانتداب التي تلزم الدولة المنتدبة بحماية فلسطين من فقدان أي جزء من أراضيها أو من تأجيرها، ولكن بريطانيا بحصر اهتمامها بيهود فلسطين وتشجيع الهجرة وتدريب الميليشيات الإرهابية الصهيونية، أخلت بالمادة المذكورة وساعدت فئة من الدخلاء على الاستيلاء على قسم من فلسطين وتشريد سكانها الأصليين.
ويؤكد القانونيون أن عصبة الأمم خرقت ميثاقها عندما سمحت بإدخال وعد بلفور في صك الانتداب، وعندما تغاضت عن التصرفات البريطانية التي أخلت بالمبادئ الدولية فشجعت بذلك المنظمة العالمية التي خلفتها على اتخاذ قرار جائر بالتقسيم.