أزمة مياه غير مسبوقة في دمشق وريفها.. وإجراءات المعالجة قاصرة مواطنون لـ”الثورة”: أعباء اقتصادية جديدة.. وتخوف مشكوك بمصدرها
الثورة – هناء ديب:
تحولت شكوى مواطنة من سكان مدينة ضاحية الشام في حرستا، نشرت على إحدى صفحات الضاحية، لحالة جدل بين متابعي الصفحة عن صحة وسلامة المياه حتى للاستخدامات المنزلية.. مبينة فيها تعرضها وأسرتها لحالة تسمم جراء مياه عبأتها في خزانها من أحد صهاريج المياه.
شكلت التعليقات على الشكوى شبه إجماع عن عدم صلاحية المياه المعبأة من الصهاريج للاستهلاك البشري، حتى وإن ادعى أصحابها أن بعضها مخصصة للشرب، لأن الشك بالمياه بشكل عام قائم مع كلام يقال عن توجه البعض لإعادة استخدام مياه المسابح من دون أي رادع أخلاقي لدى أصحاب الصهاريج وغياب شبه تام للرقابة على جودة المياه الواصلة للمواطنين من خلال صهاريج المياه.
مشكلة تلك السيدة فتحت الباب واسعاً للحديث عن أزمة مياه تفاقمت بشكل كبير خلال الصيف الحالي بعد تراجع كميات المياه الواردة للمنازل، واضطرار المواطنين للتوجه لشراء المياه لتغطية النقص الحاصل لديهم مما زاد أعباء مالية كبيرة لم تكن بالحسبان على فاتورة المتطلبات الحياتية، ناهيك عن ما ينجم عن شراء المياه من مصادر غير مضمونة من أمراض تتطلب بدورها أموالاً تدخل في قائمة الصرفيات المتزايدة.
تجارة رابحة على حسابنا
انتعشت بشكل كبير خلال السنوات السابقة وزادت أكثر خلال هذا الصيف تجارة بيع المياه من خلال صهاريج بات تجوالها في الأحياء مشهداً مألوفاً ليس فقط في ريف دمشق، وإنما حتى في دمشق العاصمة بسبب الانخفاض الكبير في عملية ضخ المياه عبر الشبكة العامة جراء تراجع هطولات المطر بالشتاء الماضي، وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتعطل المضخات، وتهالك شبكات المياه وتسرب المياه الكبير منها.
ومع الارتفاع الكبير بدرجات الحرارة زاد الطلب على المياه ودخل المواطن في دوامة معاناة جديدة تضاف للأعباء الاقتصادية، تبدأ بساعات انتظار طويلة لقدوم المياه والتي غالباً لا تصل لخزاناتهم جراء الضخ الضعيف، وليس انتهاء بالبحث عن أصحاب الصهاريج والدخول في مفاوضات السعر، والأهم أن تكون المياه مضمونة للاستخدام المنزلي.
وقال لؤي محمد من ريف دمشق: نتيجة التقنين الطويل للتيار الكهربائي، يُضطر الأهالي في ضاحية الشام لشراء المياه من صهاريج جوالة تجوب أحياء المدينة ولديها جهاز ضخ قوي لإيصال المياه للطوابق العليا.
وأضاف: إن تكلفة تعبئة الخزان سعة 10 براميل تصل إلى 130ألف ليرة سورية، وهناك حاجة لاستخدام المياه كثيراً في الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة والحاجة إلى الاستحمام والغسيل وغيره، لذلك تُضطر بعض العائلات لدفع نحو 500 ألف ليرة لتعبئة المياه شهرياً، وهو رقم كبير كان ممكن أن أشتري به طعاماً لأطفالي.
وذكرت عبير سليمان أنها لاحظت أكثر من مرة رائحة كريهة للمياه التي عبأتها من أحد الصهاريج ما أثار مخاوفها، لذلك بحثت عن صهريج أخر كانت مياهه أنظف, مبينة أنها تضطر لدفع آلاف الليرات شهرياً ثمن مياه إضافة للفاتورة النظامية وهو أمر صعب على أسرتها.
وبينت أن معظم المياه التي يشترونها تأتي من مصادر مجهولة الهوية لا يُعرف مدى صلاحيتها للشرب والاستعمال لغسيل الخضار والفواكه لكن هذه هي المتوفرة.
من جهته، تحدث محمد أحمد من سكان المزة 86، أن العديد من سكان المدينة وخاصة القاطنين في الطوابق العليا, وبأحياء مرتفعة يعانون من عدم وصول المياه إلى خزاناتهم، ما يضطرهم للجوء إلى خيار شراء المياه من الصهاريج، بتكلفة تصل إلى 200 ألف ليرة لـ10 براميل بحجة أن الصعود يرهق السيارة، مضيفاً: نحن وجيراني ندفع من دون أي كلمة لأن الحاجة للمياه ملحة، إذ يمكن أن نتحمل قطع الكهرباء لساعات ولكن المياه تعرقل حياة البيت تماماً.
ويقول رامي عبد الله من سكان حي المهاجرين: إن غياب الرقابة على مياه الصهاريج من قبل الجهات المعنية أمر يقلق سكان الحي، ولكننا نضطر للشراء من الصهاريج لحاجتنا الماسة للمياه وزيادة الاستهلاك خلال أشهر الصيف.
وطالب بضرورة منح تراخيص للصهاريج تجدد كل فترة، وتمنح لهم بطاقات لوضعها على الصهريج، تشير لمصدر المياه والمتابعة الدورية من الأجهزة الرقابية عليهم, لأنه من غير المقبول بالنسبة له بقاء مصدر المياه مجهولاً في ظل غياب الضمير والأخلاق لدى البعض.
يقول أبو عابد- وهو من سكان حي دف الشوك: الوضع تحسن اليوم، ووصلت المياه إلى الخزان، لكنه لفت إلى أنه أحياناً عندما يكون دورهم في ضخ المياه تكون الكهرباء مقطوعة، والناس تعقدت من هذا الأمر.
ويضيف: يجب إيجاد حل لهذه المشكلة من قبل مؤسستي المياه والكهرباء عبر التنسيق فيما بينهما، بحيث يتوافق موعد الضخ للمنازل مع موعد وصول التيار الكهربائي.
شكاوى بلا معالجة
تصل لبلدية ضاحية الشام وغيرها من البلديات في ريف دمشق العديد من الشكاوى على أصحاب الصهاريج نتيجة تقاضي أسعار مرتفعة أو على سلامة المياه، وعدم معرفة مصدرها، مع ما يقال عن لجوء بعضهم لتعبئة صهاريجهم من مياه المسابح المستخدمة وما ينتج عن ذلك من أمراض.
الإجابة- إن تمت- تفيد أنه لا صلاحية لديهم لتحديد أسعار لأصحاب الصهاريج، وهم حتى في حال تحديد سعر سيتم تجاوزه، لأنه يخضع لاعتبارات عديدة، كالمسافة، وتغير سعر المحروقات، والحل الأنسب بالنسبة لهم كان تخصيص صهريج خاص بالبلدية يبيع المياه للناس بسعر أقل من سعر الصهاريج والمياه فيه مضمونة.
تزايد حفر الآبار
ورغم أن مصادر مؤسسة المياه في دمشق وريفها، أرجعت بأكثر من مرة أن سبب تفاقم أزمة المياه خلال الصيف الحالي يعود بشكل رئيس لانخفاض كميات الهطل المطري لهذا العام، والتي بلغت 34 بالمائة (من معدل الهطل)، على حوض الفيجة بريف دمشق الغربي، وهو المصدر الرئيسي لمياه الشرب في مدينة دمشق، كما انخفضت بنسبة 28 بالمائة على حوض محيط مدينة دمشق، إضافة إلى تهالك وخروج عدد كبير من مصادر المياه والآبار عن الخدمة على مدار الـ14 عاماً الماضية.. إلا أن العديد من المختصين يؤكدون أن الأشهر الأخيرة شهدت أيضاً زيادة كبيرة في حفر الآبار في ريف دمشق مع غياب المتابعة والرقابة من الجهات المعنية على هذا الموضوع الهام، ما أدى لاستنزاف المياه الجوفية وشح المياه في الآبار المرخصة أصولاً والتي تغذي بعض المناطق في ريف دمشق.
خطة طوارئ
إلى جانب ما تقدم اتخذت الجهات المعنية بملف المياه جملة إجراءات للتخفيف من تداعيات أزمة المياه، ووضعت خطة طوارئ شملت إعادة تأهيل أكبر عدد ممكن من الآبار والمصادر المائية من أجل تعويض النقص، إضافة إلى إعادة توزيع أدوار التزويد بالمياه مع تطبيق التقنين، ووضعت خطة توعية لترشيد استهلاك المياه وتفعيل عمل الضابطة المائية وإزالة التعديات على شبكات المياه بما يحقق ولو بالحد الأدنى عدالة توزيع المياه على المواطنين.
وفي إطار تطبيق خطة الطوارئ لمعالجة الأزمة، أعلنت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في محافظة دمشق عن برنامج جديد لتزويد المياه للمدينة وريفها المحيط المستفيد من شبكة دمشق.
ويتضمن البرنامج الذي نشرته المؤسسة جداول تظهر أيام وفترات وعدد ساعات التزويد لغالبية مناطق دمشق وريفها.