فسحة للترفيه الاجتماعي وتطوير الفكر النقدي.. ميّا: مساحات في المعرض لاكتشاف الهوية الشخصية والثقافية
الثورة – ميسون حداد:
في اللحظة التي يدخل فيها الزائر بوابة معرض دمشق الدولي، يعبر إلى مدينة أحلام مؤقتة، يترك عند عتبتها ضجيج الواقع في حلم قصير المدى.. فالمعرض لا يُقرأ كحدث اقتصادي أو ثقافي فقط، بل كمتنفس اجتماعي يتيح للناس أن يلجؤوا إلى واقعٍ موازٍ يمنحهم فسحة للفرح والمشاركة.
للحديث حول قراءة المعرض كحدث اجتماعي يشكل فسحة للهرب من الضغوط، والأبعاد الاجتماعية له وانعكاساتها، التقت “الثورة” المدرب والاستشاري النفسي والتربوي مهند ميّا وطرحت عليه عدة استفسارات بهذا الشأن، وأولها حول لجوء الناس إلى المعرض كمساحة للهروب من الضغوط اليومية.
مساحة توازن
تشكل المعارض الدولية في البلدان حول العالم والتي شهدت ضغوطاً وأزمات متعددة، مساحة توازن بين الترفيه والإلهام والتعليم والتواصل الاجتماع، مضيفاً: “يمكن اعتبار المعرض بيئة محتملة للهروب المؤقت من الضغوط اليومية”.
وبين أن هذه المشاركات تأتي كظاهرة طبيعية لأسباب عدة بحسب قوله، كتغييب العادات اليومية والتفاعل مع أمور جديدة ما يخلق شعوراً بأن الناس في مكان مختلف، بعيداً عن الروتين وأوضح: “الاستمتاع أيضاً بالتجربة الحسية والاجتماعية كالألوان والأنشطة المتنوعة تشتت الانتباه وتوفر إشباعاً فورياً لمتطلبات الترفيه والمعرفة”.
ولتعزيز الاتّصال الاجتماعي أيضاً دور هام، كاللقاء مع أصدقاء أو معارف في المعرض يعيشون تجارب مشتركة ما قد يخفف من التوتر.
وحول أهمية الشعور بالانتماء والهوية الثقافية أكد ميا أن المعارض تعطي إحساساً بالانخراط في مجتمع عالمي أو محلي يشترك في الاهتمامات، وهذا يخفف من مشاعر العزلة أو الضغط، منوهاً بنقطة هامة أن ليس كل المعروضات أو التجارب تعمل كـ”هروب” مثالي للجميع فبعض الأشخاص قد يشعرون بالضغط أو القلق بسبب الحشود أو الضوضاء أو التكاليف.
ظاهرة صحية واجتماعية
ولفت إلى أن انتشار معارض دولية كمساحات ترفيهية وتعليمية تتيح التفاعل وتدعيم الروابط الاجتماعية، ويكون فيها إقبال متوازن عبر فئات عمرية واجتماعية مختلفة، كما تحمل أثراً إيجابياً على الرفاه النفسي القصير والمتوسط نتيجة تفاعل اجتماعي وتقليل الإحساس بالعزلة، وتأكيد الهوية الثقافية المشتركة من خلال التجارب المتنوعة.
وأضاف: إن المشاركة في المعرض تنعكس على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، فيوفر المعرض مساحة للتواصل وبناء العلاقات مع أشخاص من خلفيات مختلفة، مما قد يعزز التفاهم وتبادل القصص الشخصية.
وحول التعبير عن الهوية والانتماء، بين أن المعارض غالباً ما تعكس التنوع الثقافي وتتيح للناس الاحتفال بموروثاتهم أو استكشاف ثقافات أخرى، كما أن للمشاركة تأثيراً اقتصادياً واجتماعياً فهي تدعم السياحة المحلية والعمل المؤقت والفرص الاقتصادية الصغيرة.
ورأى ميا أن المشاركة أيضاً تساهم في عملية التعلم غير المباشر، عبر المشاركة في فعاليات وجلسات نقاش يمكن أن تعزز المعرفة وتفتح فرص تعلم جديدة، وتقلل من الإحساس باليأس أمام التحديات اليومية في الظروف الصعبة.
مساحات هادئة
عوامل عدة ينبغي النظر فيها تساهم في نواحٍ اجتماعية ونفسية متعددة، فوجود مساحات هادئة داخل المعرض أو مناطق للاسترخاء يساعد الزوار الذين يتجنبون الإحساس بالازدحام والقلق، منوهاً بأهمية توفير المساحة الآمنة التي تضمن وجود مساحات للراحة وأخرى للصمت، وخيارات ميسرة للأشخاص الذين يحتاجون لتخفيف التحفيز الحسي.
كما تساهم المعارض الدولية في تنمية الوعي النقدي والهوية – بحسب ميّا، فهي تقدم مساحات لاستكشاف الهوية الشخصية والهوية الثقافية، وتطوير قدرات التفكير النقدي والتقييم الذاتي بعيداً عن الركود اليومي، كما تقدم لهم إرشاد نحو مسارات مستقبلية، موضحاً أن اللقاءات مع الفنانين والجلسات المفتوحة وفرص التدريب يمكن أن تلهم الشباب لاختيار مواضيع دراسية أو مستقبل مهني في الفن والتصميم أو الإعلام، أو الثقافة.
والمعارض التي تتمحور حول قضايا اجتماعية أو بيئية تشجع الشباب على التفكير في دورهم المجتمعي، وربما الدفع للمشاركة في مشاريع مجتمعية أو حملات توعوية، منوهاً بأهمية تفاعل الشباب مع أقرانهم من خلفيات متنوعة.. الفضاء الفني يجمع أشخاصاً من طبقات اجتماعية وثقافات مختلفة، ما يعزز التسامح والتفهم بين الشباب.
وحول مساهمة الفضاءات العامة في التوازن النفسي بين أنها تساهم في التوازن النفسي من خلال عدة عوامل من أهمها توفير ملاذ آمن ومألوف للاسترخاء، وتساعد في عملية فصل مؤقت عن الضغوط فتمنح الناس فرصة لتنقية الذهن وترك القلق خارج أبوابه، وتعزز المشاركة الشعور بالقدرة والتحكم في الظروف عن طريق اكتساب مهارات جديدة وتعلم فنون أو تقنيات إبداعية يمنح إحساساً بالإنجاز والهوية.
كما توفر أجواء ملائمة لدعم الروابط الاجتماعية والشعور بالانتماء، فهي تجمع أشخاصاً من خلفيات مختلفة، وتساهم في تبادل الخبرات، بمشاركة قصص النجاح والتحدي بين المشاركين.
ولها دور فعال في تعزيز الهوية الثقافية والذاتية بالتواصل مع الثقافة المحلية والتراث المحلي، وتساعد في إدراك المعنى في الأزمة عن طريق الفن الذي يفتح أبواباً لتفسير الألم والأمل بصورة بنّاءة.
مرآة تُظهر ملامح المجتمع السوري
ولفت إلى أن المعرض يجمع فئات اجتماعية واقتصادات محلية وعالمية، ويعطي مؤشراً عن الهوية الثقافية من خلال الأعمال المعروضة، والفعاليات المصاحبة، وبرامج التطوع والتعاون التي تعكس قيم المجتمع واهتماماته الثقافية والاقتصادية.
ويعطي المعرض أيضاً دلالة اقتصادية وسياسية غير مُعلنة، من خلال وجود استثمارات وشركات محلية وأجنبية، وترويج للسياحة والمنتجات مما يعكس مناخ الاستثمار والسياسات الاقتصادية وأولويات الحكومة والقطاع الخاص.