الثورة-منهل إبراهيم:
في عام 2024، قامت منظمة “قصص ممنوعة”، التي تجمع صحافيين من جميع أنحاء العالم بالتحقيق في مقتل ما يقرب من مئة صحافي فلسطيني على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.
ويقول المدير التنفيذي للمنظمة لوران ريشار شارحاً في تصريح لإذاعة فرنسا: “يشارك الجيش الإسرائيلي في حملة تضليل حول الصحافيين للإيحاء بأن جميع العاملين منهم في غزة هم عملاء لحماس”.
ويوضح ريشار أن “الواقع أكثر تعقيداً.. يبدأ عادة بشائعات ومقالات على مواقع مقربة من الحكومة الإسرائيلية، تزعم أن صحافياً معيناً إرهابي، ثم، بعد أسابيع أو أشهر، يُستهدف هذا الصحافي بطائرة بدون طيار”.
وبحسب موقع فرانس 24 أظهر تحقيق صحفي استقصائي دولي أن “الجيش الإسرائيلي أنشأ وحدة سرية بعد أحداث 7 أكتوبر تُعرف بـ “خلية الشرعنة”، هدفها جمع معلومات من غزة تستخدم لتعزيز الرواية الإسرائيلية في الإعلام الدولي وتبرير عمليات عسكرية مثيرة للجدل، من ضمنها استهداف الصحافيين”.
ووفقا لوسائل الإعلام المشاركة في التحقيق، نقلاً عن مصادر استخباراتية، ركزت هذه الوحدة على تصنيف صحافيين فلسطينيين كأعضاء في حماس، حتى وإن استندت إلى معلومات وصفت بـ”غير المؤكدة أو المشوهة”، في محاولة لتقويض التعاطف الدولي مع ضحايا القصف الإسرائيلي.
ويقول موقع فرانس 24 “من أبرز الحالات أنس الشريف، مراسل قناة (الجزيرة القطرية، الذي سبق استهدافه بحملة تشويه ممنهجة قبل اغتياله، وسط توثيق متزايد لاستهداف ممنهج للصحافيين، ومع تجاوز عدد الصحافيين القتلى في غزة، 200 شخص منذ بداية الحرب وفقاً لمنظمة “مراسلون بلاحدود”، ترى منظمات حقوقية دولية أن ملامح سياسة تسعى ليس فقط إلى إسكات الأصوات المستقلة، بل إلى تحويل العمل الصحفي نفسه إلى تهمة بدأت تظهر بوضوح، في إطار رؤية تعتبر الإعلام جزءاً من ساحة المعركة، لا أداة لمساءلتها”.
ويؤكد محللون للموقع الفرنسي أن هذه الاستراتيجية باتت أداة عسكرية ممنهجة لـ “تجريم الصحافة الفلسطينية وتحييدها”.
في هذا السياق، يقول المحلل السياسي أهرون بريغمان إن “الهدف المحوري لـ “خلية الشرعنة” هو تقويض عمل الصحافيين الفلسطينيين وتوفير المبرر لقتلهم، فالروايات التي تصوغها إسرائيل لتصوير الصحافيين كعناصر في حماس ضعيفة وواهية، لكنها في إطار حربها الدعائية كافية لإضفاء الشرعية على عمليات الاغتيال”.
ووفقاً لمعلومات من وحدة التحقيقات في إذاعة فرنسا، فإن الجيش الإسرائيلي لا ينكر وجود “خلية إضفاء الشرعية”.
ويتجلى هذا النهج للخلية المشار إليها في واقعة قتل مراسل قناة الجزيرة أنس الشريف وأربعة من زملائه في ضربة إسرائيلية قرب مستشفى الشفاء مطلع آب -أغسطس، فقد سارع الجيش الإسرائيلي لنشر وثائق تزعم أنه يعمل مع حماس منذ عام 2013، غير أن الوثائق ذاتها لم تشر إلى أي صلة بعد 2017، أي قبل سنوات من اندلاع الحرب الراهنة.
وقال صحافي يعمل في غزة لفرانس24 “إن تكتيكات “خلية الشرعية” “مثيرة للقلق”، مضيفاً: إنهم “يعرضون حياة الصحافيين للخطر من خلال ربطهم بالجماعات المسلحة، نعمل حقاً في ظل خوف دائم – غارات جوية، وفقدان زملاء، وتكميم أفواه.
والآن، أصبح التهديد يطال سمعتنا أيضاً، ويحرمنا من الدعم والحماية الدوليين”.
ويضيف الصحافي: “إنه جهد ممنهج لنزع الشرعية عن أصواتنا وحجب حقيقة غزة عن العالم، يصورنا كأهداف، لا بصفتنا كمحترفين ينقلون الحقائق”.
وعلى الأرض، الواقع يؤكد فداحة الخسائر.
فقد قُتل أكثر من 200 صحافي خلال أقل من عامين من القتال، وفقاً لمنظمات تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة، ليصبح الصراع في غزة الأكثر دموية للصحافيين في التاريخ الحديث.
وفي نيسان-أبريل، وصف معهد واتسون بجامعة براون الأميركية الوضع بأنه “ببساطة، أسوأ صراع شهده الصحافيون في العالم”.