الثورة- منذر عيد
منذ أكثر من عقد، ظل ملف الاختفاء القسري في سوريا أحد أكثر الملفات قتامة وتعقيداً، فمنذ عام 2011، تحوّل هذا الانتهاك من ممارسة فردية إلى أداة ممنهجة استُخدمت لترويع المجتمع وإسكات أي صوت معارض، واليوم، لا تزال عشرات الآلاف من الأسر السورية تعيش في دائرة الانتظار، بين الأمل بمعرفة مصير أحبائها واليأس من صمت طويل يفرضه غياب العدالة.
تاريخياً، لم يكن الاختفاء القسري في سوريا وليداً حديثاً ما بعد 2011 فقط، بل ممارسة سابقة عرفتها البلاد في فترات مختلفة، إلا أن ما بعد 2011 شكّل منعطفاً نوعياً، حيث اتخذت السلطات الأمنية هذا الأسلوب على نطاق واسع، حتى صار جزءاً من بنية السيطرة السياسية والأمنية، فهو لا يستهدف الأفراد فقط، بل يعاقب المجتمع بأكمله عبر نشر الخوف والشكوك المستمرة.
وفق القانون الدولي، يُصنَّف الاختفاء القسري ضمن الجرائم ضد الإنسانية، كونه لا يمسّ بحقوق الضحايا فحسب، بل يضرب حق المجتمع في معرفة الحقيقة، وتجاهل هذا الملف في أي عملية سياسية مستقبلية سيجعل السلام هشاً، لأنه يتجاوز واحداً من أكثر المطالب عدالةً وشرعيةً لدى السوريين، الحق في الحقيقة والعدالة.
في هذا السياق، جاءت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا كمحاولة دولية للاستجابة لحجم الكارثة، إذ شددت رئيسة المؤسسة كارلا كينتانا، على أن هدفها هو البحث عن كل مختفٍ، بغض النظر عن هويته أو زمن أو سبب اختفائه، هذا التوجه يعكس وعياً بأن القضية لا تخص جماعة دون أخرى، بل هي جرح وطني جامع.
لكن، وبالرغم من الجهد المبذول، يبقى التحدي كبيراً، فغياب التعاون الجاد من السلطات المتورطة، وتعقيدات الملف على المستويين القانوني والسياسي، يجعل عمل المؤسسة محاطاً بعقبات هائلة، ويضع على المجتمع الدولي مسؤولية مضاعفة لدعم هذه الجهود.
تحليل الملف يكشف عن تداخله بين البُعد الإنساني والسياسي، فمن الناحية الإنسانية، لا يمكن لأسر الضحايا أن تمضي قدماً في حياتها دون معرفة مصير أحبائها، ومن الناحية السياسية، يمثل الملف اختباراً حقيقياً لأي مسار للعدالة الانتقالية، ليبرز السؤال، هل يمكن بناء مستقبل مستقر دون معالجة واحدة من أعمق الجروح التي خلّفتها الحرب؟.
إن الاختفاء القسري في سوريا ليس مجرد انتهاك عابر، بل هو سياسة تدمير للمجتمع امتدت آثارها لعقود قادمة، لذلك فإن أي تسوية سياسية أو مشروع للمصالحة الوطنية لا بد أن يضع ملف المفقودين والمختفين في قلب أولوياته، فالحقيقة والعدالة ليستا ترفاً، بل شرطاً أساسياً لبناء سلام حقيقي ومستدام.