أتيح لي أن أكون ضيفاً على مهرجان ثقافي في الدوحة ..
بعد عدة أيام من بدء المهرجان سرب خبر مفاده أنّ رجاء النقاش الكاتب والصحفي المصري المعروف سيكون ضيفاً …كان لا بد من اغتنام الفرصة لإجراء حوار معه مع كل ما قيل عن مرضه ..
انتظاري ثلاث ساعات ونيف أمام غرفته جعله يسألني.:من أين أنت ؟..أنا: من سورية…ليقول :سورية غالية علي …
وبعد أن استعرضت أمامه ما يمكن لي أن أستعرضه من متابعتي لكتبه ومقالاته، ابتسم :سوف أحاورك …ليبدأ السؤال هو:من أي صحيفة أجبت:..صحيفة الثورة …نظر إلي مبتسماً: هل تعلم أني تعلمت الصحافة في سورية أنا، وأحمد عبد المعطي حجازي في الصحيفة التي تعمل انت بها وكان اسمها …الوحدة؟.
سرد الكثير الكثير ..لا أدري لماذا خطر ببالي أن أسأل شاعرنا الراحل سليمان العيسى عن الأمر …فابتسم وقال لي: نعم صحيح …
قفز هذا كله أمامي وأنا أقرأ الكثير مما يكتب الآن عن ذكرى رحيل الأستاذ محمد حسنين هيكل ..الصحفي والسياسي …وتسترجع الذاكرة ما كتبه هيكل ذات يوم عمّا جرى معه في بداية عمله ..إذ تقول الحكاية : إنه عمل بصحيفة رئيس تحريرها حينها كان انكليزياً …كلف هيكل مهمة ما فأداها بنجاح كبير..
في اليوم الثاني، استدعاه وأقترح عليه إجراء حوار مع رئيس الوزراء حينها …صمت هيكل ولم يبد استعداداً للأمر ..نظر إليه رئيس التحرير وخاطبه قائلاً:أنت صنوه فلم التردد؟
نعم، صنوه بالمكانة والحصانة، التي يمنحك إياها عملك الإعلامي…ولا أدري أيضاً كيف يقفز السؤال …لماذا أضاع الكثيرون منا مثل تلك المكانة …لماذا يضع البعض نفسه صنو شيء عابر يجعله تحت الأمر والطلب غير النزيه ..
ومن حقل الأسئلة التي يجب أن تطرح …هل تراجعت مدرستنا الصحفية التي عمل فيها رجاء النقاش وأحمد عبد المعطي حجازي؟.
بالتأكيد:لا..لدينا قامات إعلامية مهمة جداً، تركت أثراً متميزاً في المشهد الإعلامي السوري والعربي، ويكفي أن تعود إلى الصحف ..الثورة وتشرين والبعث والتلفزة لتجد صدق ما نذهب إليه…
وقد يسأل البعض:هل استمر ذلك ..وإذا لم يستمر فلماذا..؟.
تساؤلات يجب أن تطرح، ولعل ما كان عنواناً للزاوية أولها…أين محمد حسنين هيكل الصحافة السورية … هل بالضرورة أن يكون لدينا مثله؟
أم إننا جميعاً متساوون في مشهد الإعلام السوري (المأكول والمذموم) المراد منه كل شيء والذي تعلق على شماعته أخطاء وخطايا الكثيرين …
لا أدعي أني قادر على سبر أغوار الإعلام السوري، لكني أدعي أني شاهد على ما يقارب أربعة عقود من المتابعة والعمل فيه، وبأماكن أخرى غيره، تعنى أيضاً بالإعلام، الحقيقة المرة التي يجب أن تقال: إننا بارعون فيما يشتت الجهود، وما يضعف مكانة الإعلام بكل وسائله، نريد إعلاماً يدخل إلى كل بيت، وجامعة، ويناسب الجميع (يتابع نقداً، مدحاً، ينزل الشارع، يرضي كل من يتابعه، وفوق هذا وذاك عليه أن يرحب بكل من يوجه إليه سهاماً حادة ما أنزل الله بها من سلطان) وحين تنتفي الحاجة إلى ما يقوم به، ثمة من يرميه بما يعرف ولا يعرف ..
ومن تجربة شخصية قبل الـ2010 أمام إلحاح صديق قمنا بزيارة مسؤول ما، حين قدمني صديقي إليه: قال :صحفي. بدأ مضيفنا من وراء طاولته، يشرق ويغرب، أمام ضيوفه، لحظات كادت تكون عمراً، حين هممت بالرد، تدخلت المصادفة التي جاءتني كما لو أنها قدر: يدخل من يحمل الصحف السورية (الثورة – تشرين ـ البعث) وبعدها الصحف التي كانت توزع في سورية، وهي غير سورية ..
أمسك المسؤول بالصحف السورية، وقال لمن أتى بها: خذها إلى البيت، بينما وضع الصحف الأخرى في درج الطاولة.
بلا مقدمات، سألته: لماذا تضعها هنا؟ أرسلها للبيت، أليست صحفاً ؟ لم أترك له الفرصة ليقدم جوابه، وأضفت سأقول لك: لو أردنا أن نعمل بطريقة هذه الصحف لوزعنا مئات الآلاف من صحفنا، لن تجرؤ على إرسالها إلى بيتك، ببساطة لأنها إعلام إثارة، جسدية وفكرية، وما في قائمة الإثارة ..هل تريدون ذلك؟ فليكن، ولكن ما الحصاد. وكيف؟ ولئلا أطيل كثيراً، أقول ”
إذا أتيح لهذه الكلمات أن تبقى وتقرؤها …سيكون للحديث بقية.
معاً على الطريق- ديب علي حسن