افتتاحية الثورة – بقلم رئيس التحرير – علي نصر الله:
خَرجت أميركا من أفغانستان، فهل هي خطوة خروج أولى تَعقبها خطوات في غير مكان ربما تكون مَحطاتها الإلزامية القادمة العراق وسورية؟ أم هي تكتيك المُنكر المُستعلي الذي يعتقد بإمكانية تغيير النتيجة بتدوير الزوايا، وبمحاولة صناعة منصات أخرى مُشتقة من ذات المخطط – المشروع اللامشروع – القائم على سلسلة من الأكاذيب المَفضوحة وغير المُحكمة؟.
ما النقاش الدائر حالياً في الولايات المتحدة ومع مجموعة الأدوات والحلفاء والشركاء؟ هل يدور النقاش حول تجربة الغزو والاحتلال والحرب والاستثمار في الإرهاب، ونتائجها والغايات المُتحققة والتي لم تتحقق؟ أم يُركز النقاش على محاولة التخفيف من تداعيات التجربة القذرة مع الاستمرار بعمليات التزوير للوقائع بفبركة وقائع جديدة تُبرر مرة وتُسوغ مرة أخرى لخطوات حمقاء تتجدد معها احتمالات التفجير وليس فقط التحرش بالدول المحيطة والجارة في هذه المنطقة وتلك لضرب استقرارها وإشغالها واستهدافها؟.
مع التطورات الجارية في أربع جهات العدوان الأميركي وحيثما تتعثر مخططات واشنطن وتُخفق، يَتضح أنّ سعياً أميركياً – أطلسياً للإفادة والاستفادة بمُحاولة استخلاص العبر لا يَجري، بل إن ما يَجري هو الإنكار والتنصل مع محاولة تجميل الهزيمة، ذلك بممارسة فعل الهروب إلى الأمام الذي يَفتتح جبهات مواجهة جديدة متجددة معها لن تَعرف الاستقرار أطراف مُتعددة مُحددة بعينها تَضعها أميركا في سلة واحدة، تَخلق لها المشكلات وتحاول إغراقها في التفاصيل المُستنزفة أبداً.
مياه الخليج مَرجل يَغلي، رمال وجبال أفغانستان صفيح ساخن، الصين، روسيا، إيران، باكستان والهند، أهداف لا يَخفى التصويب الأميركي باتجاهها، إذا كان العبث المُتشكل على نحو يتجاوز التفجير الذي تُقحم تركيا الأخوانية المُتضخمة ذاتها فيه، فإنه العبث الذي يَستكمل خطوات سابقة تجلت بالعقوبات ومحاولات الحصار والحرب التجارية الاقتصادية المُعلنة منذ ترامب وأسلافه، وتجسدت بتدخلات مرفوضة قد لا تَبقى الردود عليها في مستوى ما كانت عليه، وقد تتخطاها مُلامسة حدود الردع الأقسى الذي تبحث عنه واشنطن أو الذي لا تَفهم إلا لغته الحازمة.
بما تَقدم، هل تَختبر الولايات المتحدة قوتها وقدراتها؟ أم تَختبر قوة وقدرات الخصوم والأطراف الدولية والإقليمية التي تَستعديها وتَستهدفها؟ أم أنها ليست بوارد التعرف على عناصر القوّة والقوّة المقابلة؟ وإنما هي تُنكر تَعثر مُخططها، ولا تَهتم للتداعيات التي يفرزها، وتُصر على المُضي به بعناد يُخالف حتى التقديرات التي يَجري تقديمها للبيت الأبيض دورياً!.
هو الإنكار والانفصال عن الواقع، لا شيء سواه، حالُ واشنطن وتَحالفها الشرير الذي يُمارس الإرهاب والترهيب هو حال المَهزوم المُدعي، وإنّ كل المُعطيات المتوفرة تَضبط أميركا وتحالفها وهو على هذه الحال، فالمشروع المُتكسر هو مشروعها المُشترك مع أدواتها المُعرَّفَة بالاسم، وإنّ مَقادير مُساهمة كل طرف فيه مُثبتة بتقارير رسمية غير خافية، ولذلك فإنّ خلاصة ما تَحتاجه واشنطن – قبل مُعسكر أدواتها – نصيحة بالانكفاء والتراجع عن كل ما بدأته بتغيير السلوك والمسار، أو محاولة جادّة منها للاستماع للعُقلاء فيها ممن يُدركون خطورة الإنكار، ومن الذين يعرفون أن عدم الاعتراف لن يُخفف النتائج الكارثية، ذلك أنّ محاولة امتصاص تداعيات الفشل والهزيمة بالإنكار وعدم الاعتراف يعني الترخيص للذهاب باتجاهات التصعيد والهروب من الواقع، وهو ما يُقدم لمُضاعفة الآثار والتداعيات ويَقود إلى نتوءات حادة وهاوية غير مَسبوقة.
على الولايات المتحدة ألا تَستغرق بمُحاولة اختبار قوّة الأطراف التي تستهدفها بالعدوان والعقوبات، بل عليها أن تتحسس نتائج اختباراتها لسياسات البلطجة والإرهاب التي تتبعها، لتتعرف ربما أولاً على مُخططها الذي تُحاول واهمة إعادة إحيائه من رُكامه ومِزقه، وثانياً كي لا تَهدر الفرص المُتاحة أمامها للتراجع وحزم حقائب الرحيل، وثالثاً لئلا تتوهم القدرة على تطويق تداعيات الانهيار الوشيك والمؤلم.