على الرغم من أن الحرب ما زالت في الأيام الأولى، إلا أن الأسئلة بدأت تطرح – في عملية قفز مباشر نحو النهايات – الأصعب من التساؤلات المركزية، خاصة مع إحجام واشنطن عن إرسال قوات للقتال، ومع عجز الغرب والناتو عن فعل مؤثر باستثناء فرض العقوبات والتهديد بعزل روسيا.
الحرب ستطول، يقول ماكرون. عملية دونباس هي أعظم اختبار لرؤية بايدن في السياسة الخارجية، تقول الأوساط السياسية في الولايات المتحدة. وإن ثمة إجماعاً صار ملموساً في العالم من أن تغيرات جيوسياسية واسعة حول العالم ستقع إذا انتصرت روسيا في أوكرانيا.
نعم، هذا واقعي، وعلى الأرجح هو ما سيحدث، إذ أن العملية العسكرية الخاصة لم تبدأها روسيا إلا بعد أن استنفدت كل السبل الكفيلة بضمان أمنها واستقرارها، وبعد أن تجاهل الغرب والناتو وواشنطن رسالة الضمانات الأمنية المطلوبة، وبالتالي فإن موسكو وجدت نفسها مضطرة لبناء صيغة أمنية جديدة حولها، وفي محيطها الحيوي، تنهي بها ما عرف بالحرب الباردة، ذلك بحركة واثقة أعدت لها جيداً واستعدت لكل الاحتمالات التي قد تفرزها العملية التي ستكتب فصلاً جديداً في العلاقات الدولية، وتكون المناسبة التي تدفع لنشوء نظام عالمي جديد.
الأسباب التي أدت إلى الوضع الحالي باتت معروفة، ولا حاجة للتذكير بها رغم محاولات التضليل والتشويه الأميركية الأطلسية، ورغم الضخ الكاذب الذي تنشغل به الماكينة الإعلامية الغربية إضافة إلى أكاذيب السياسيين في القارة العجوز وواشنطن.
الحالة في أوكرانيا لم تنشأ من فراغ، بل نشأت نتيجة تراكمات، سبقتها عمليات توسيع الناتو الذي بتمدده أصبح من غير المقبول، ومما لا يطاق، تهديده المباشر لروسيا، التي هي اليوم أمام استحقاق مهم، وفي مواجهة تحد كبير، بل هي من بعد الرسائل التي وجهتها لا تملك ربما من خيار سوى أن تحقق النصر في الحرب، وأن تنجز كل الأهداف التي وضعتها لها.
إنهاء حالتي الحرب الباردة، والتضخم الأميركي، تمثل ربما أحد أهم الأهداف من بعد إخراج أوكرانيا من المحور الغربي الأميركي المعادي، ودفع الناتو للتراجع أو إجباره على ذلك، فهل يقتضي ذلك رسم معادلات جديدة؟ نعم، وقد يستلزم الأمر ما هو أبعد من ذلك وصولاً لفرض شروط من شأنها أن تغير في التوازنات الدولية التي ستحدث بالضرورة تحولات جذرية في السياسة والاقتصاد، وبالتحالفات والتكتلات الدولية والإقليمية.
بنهاية العملية العسكرية الروسية الخاصة في دونباس – أوكرانيا، لن تقبل موسكو بأقل من استبعاد النازيين عن السلطة في كييف، وربما تستجيب لطلب جمهورية بيلاروس، والقيادة الأوكرانية الجديدة بإنشاء قواعد عسكرية في البلدين، بل ربما تنشر السلاح النووي الردعي فيهما (راجع طلب جمهورية بيلاروس بهذا الاتجاه).
ما موقف الناتو وواشنطن والغرب حينذاك؟ إذا كان الرفض والمواجهة، فكيف يستنكر على روسيا رفضها ومواجهتها لمحاولة ضم أوكرانيا إلى الأطلسي ونشر منظومات صاروخية هجومية وإقامة قواعد عسكرية على حدودها المباشرة مع كييف؟!.
هذا يؤكد أن واشنطن والغرب والناتو ككتلة واحدة لم تتخل عن ذهنية العداء ولا عن عقلية الحرب الباردة، ولا عن سياسات الهيمنة والبلطجة وممارسة الإرهاب والترهيب العسكري والاقتصادي والعولمة والغزو، فكان ذلك على التوازي من أهم ما ساهم في التهيئة لحدوث ما انتظره العالم طويلاً، ليحدث الفرق الذي لا يكتفي بالرد والردع، ولا بإعلان انتهاء حقبة، بل البدء فعلياً بحقبة أخرى، لعل الوثيقة الصينية – الروسية التي وقعها الجانبان مطلع شباط الجاري تكون الترجمة لانتهاء الحرب الباردة ودخول العلاقات الدولية عهداً جديداً يمهد لولادة عالم آخر لا مكان فيه للتفرد، متعدد الأقطاب بالضرورة.
معاً على الطريق – علي نصر الله