الإعلان المشترك الصيني – الروسي الذي جرى توقيعه، هل يؤشر فقط إلى تعميق علاقات البلدين الثنائية، أم يحمل دلالات أهم، أشمل وأعمق، لها صلة بالعالم، العلاقات الدولية، والنظام العالمي الجديد الذي انتظر الكثيرون ولادته؟
في التقييم، هناك من يذهب للتفاؤل بلا حدود لجهة هذه الولادة الوشيكة، وبالمقابل هناك من يرى أن حجم التحديات التي من شأنها أن تحول أو تعطل لا يستهان بها.
للمتفائلين أسبابهم، ولغير المتفائلين رؤيتهم، ليبقى الإعلان الروسي – الصيني الحدث الذي يستقطب، والذي تبنى عليه آمال وتطلعات كبيرة، دولية لا إقليمية أو ثنائية صينية روسية.
وإذا كان ما جرى توقيعه في قمة فلاديمير بوتين، شي جي بينغ يوحي بحركة استراتيجية مهمة للعالم وليس فقط في سياق تدشين مسار ثنائي، فإن النظرة الواقعية له تثبت الحاجة للتوقيع، ولتطوير العلاقات الثنائية على نحو استراتيجي، وعلى أرضية واحدة، أو انطلاقاً من رؤية واضحة مشتركة للمخاطر التي تفرضها السياسات الأميركية في الهيمنة والاستئثار، وفي السيطرة والنهب والمصادرة.
الولايات المتحدة لم تترك خيارات أخرى للعالم، للقوى الكبرى، بل إنها بسياساتها التصعيدية المرفوضة تدفع دفعاً قوياً باتجاهات تعميق علاقات التعاون والتقارب والتكامل بين هذه الدول والقوى العالمية.
صار هناك ثمة معادلة مرئية واضحة، تلمسها لا يحتاج للكثير من النباهة، مفادها أنه كلما خطت الولايات المتحدة خطوة باتجاه التغول، كلما جعلت من تقارب القوى الدولية والإقليمية خيارها العاجل، وكلما ارتكبت حماقة إضافية، زادت في سرعة هذا التقارب وعمقته، وكلما أقدمت على سلوك جديد في التهديد والتهور، ضاعفت من التعاون بين القوى الدولية والإقليمية المستهدفة.
على هذا فإن الصين – روسيا، تراكمان على مسار العمل المشترك كل ما يؤدي إلى كسر محاولات السيطرة والهيمنة الأميركية ويضع حداً لغرور واشنطن، وتبدو الحركة في هذا الاتجاه ذاهبة إلى نطاق أوسع، شنغهاي، الهند، إيران، إحياء بريكس، دليل وقرينة على ذلك.
إن توقيع وثيقة الإعلان المشترك الصيني – الروسي، مع ما اشتملت عليه من اتفاقيات طويلة الأمد لا سيما المتعلق منها بقطاع الطاقة، وزيادة حجم التبادل التجاري إلى مستوى قياسي، إذا ما أضيف إلى الاتفاقيات الاستراتيجية التي جرى توقيعها بين الصين ودول أخرى كإيران، وتلك التي يجري التحضير لها مع روسيا، إنما يؤشر بوضوح إلى نضج خيارات دولية لا تواجه فقط الولايات المتحدة، بل تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية التي من شأنها أن تجعل من أمر ولادة نظام عالمي جديد يعيد أو يخلق حالة التوازن، الأمر الذي إذا لم يكن وشيكاً، فهو الأمر الذي بات العالم يحتاجه وترحب به الأغلبية الغالبة.
معاً على الطريق – علي نصر الله