لم التقِ بالراحل الأستاذ بشير الجلاد سوى بضع مرات، لكن حكاية جرت مع أحد الإعلاميين القدامى منذ نحو أربعين عاماً جعلتني أمتلك احتراماً وحباً لا حدود لهما لهذا الرجل اللطيف القامة والحضور، الكبير في قيمه وقامته وعطائه.
قال الإعلامي القديم: كنت في بداية عملي الإعلامي مفعماً بالحماسة والطموح، رغم كلّ أسباب الإحباط التي تحيط بي، وفي مقدمتها كراهيةٌ جلية واجهني بها مدير المؤسسة الإعلامية التي كنت أعمل بها، لأسباب لا تتعلق أبداً لا بمؤهلاتي، ولا بأدائي ، ولا بسلوكي الشخصي، كان المدير الذي يحيط نفسه بحلقة صغيرة من المقربين المنتفعين يعشق التملق، كما كان يخبرني – ناصحاً – بعض من في هذه الحلقة، لكن طبيعتي كانت تأنف حتى أبسط أشكال المجاملة، مؤمناً أن عملي يقدمني، وهو فقط ما أرضى بمحاسبتي عليه.
في أحد الأيام ورد إلى المؤسسة كتاب من اتحاد الصحفيين بطلب ترشيح إعلامي بصفات محددة للمشاركة في ندوة خارجية تتعلق باختصاصه، وكانت تلك الصفات تنطبق علي، فلما طرح الأمر أمام اجتماع مجلس إدارة المؤسسة رشح الجميع اسمي، باستثناء عضو واحد رشح اسماً آخر، وبعد الاجتماع نقل لي معظم المجتمعين (البشارة)، لكني لم ابتهج لمعرفتي بالمشاعر التي يكنها تجاهي المدير، وبعض أزلامه بطبيعة الانتهاز، وكان إحساسٌ بمكانه، فأحد هؤلاء الأزلام المعروف ببراءته من أي شكل للنزاهة كان مكلفاً بتدوين محضر الاجتماع فكتب فيه أن مجلس الإدارة رشح أسمين، في حين عدد الأصوات يعني أن هناك اسماً واحداً، والأوقح من ذلك أنه أورد الاسم الثاني قبل اسمي فصار مرشحاً أساسياً وتحولت أنا إلى مرشحٍ ثانٍ، أو احتياطي، ولما تم إعداد كتاب الرد إلى اتحاد الصحفيين أضاف مدير المؤسسة اسم أحد المقربين منه إلى رأس الأسماء المرشحة، فأصبحت المرشح الثالث، وبالتالي أسقطت الموضوع من تفكيري نهائياً.
بعد نحو أسبوع كنت منهمكاً في إتمام عمل بعد نهاية الدوام حين جاءني مراسل المدير يخبرني أن هناك اتصالاً هاتفياً لي في مكتب السكرتيرة، وبين دهشتي واستغرابي قالت لي السكرتيرة (المشهود بلطفها وطيبتها) وهي تغلق بيدها سماعة الهاتف: الأستاذ بشير يريد أن يسألك عما حصل في أوراق سفرك، لا تقل له أن مدير مكتب المدير لم يخبرك بها !!..
من الطرف الآخر جاءني صوت وقور مليء بالدفء والمودة يسألني عن سبب عدم استكمال أوراق سفري، فأجبت أن أحداً لم يخبرني أني سأسافر فهناك مرشحان قبلي، بدا واضحاً أن المتحدث اللماح أدرك حقيقة الأمر فأردف قائلاً أنه لم تتم الموافقة على هذين الاسمين الأولين لعدم توفر الصفات المحددة بهما، ثم طلب مني إعداد بعض الأوراق، وأنه سيتابع مع المدير قرار السفر، وحولني إلى مدير في وزارة الخارجية لمنحي جواز سفر مهمة فوري، وفي اليوم التالي كان مدير مكتب المدير يسلمني على مضض قرار السفر، محملاً الذاكرة مسؤولية نسيانه كتاب اتحاد الصحفيين في درج مكتبه.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فإلى قبل يوم واحد من السفر لم تصل بطاقة الطائرة من الجهة المنظمة للندوة، وأيقنت أن لا أمل لي، فاتصلت ليلاً بالأستاذ بشير لأشكره على اهتمامه رغم تعثر الرحلة، فأجابني – بالوقار ذاته – لا مشكلة.. ثم طلب مني مراجعة مكتب سفريات محدد صباح اليوم التالي لحجز بطاقة سفر، وهذا ما حصل فعلاً واستلمت البطاقة قبل بضع ساعات فقط من موعد الرحلة، ولما اتصلت لأشكره ثانية وما علي فعله هناك، قال بالمودة المعهودة:
” فقط أخبرهم أن بطاقة السفر التي التزموا بها لم تصلنا، وأن بطاقتك التي سافرت بها كانت على حساب الإتحاد “.
وختم الإعلامي القديم حكايته بالقول: “في تلك اللحظة شعرت أني أنتمي إلى مهنة لها نقابة تدافع عن أفرادها، وتحمي حقوقهم.”
تذكرت تلك الحكاية.. وأنا أقرأ ذلك الفيض من كلمات المحبة والتقدير التي غمره بها أصدقاؤه في رثائهم الحزين له.. وقد استعاد كلّ منهم حكايات ومواقف للرجل النبيل بشير الجلاد تبدأ عند أصغر تفاصيل الحكايات الفردية، ولا تنتهي عند إنجازاته الكبرى وعلى رأسها صندوق تقاعد الصحفيين..
لم ألتقِ الأستاذ بشير الجلاد سوى بضع مرات فقط، لكنها كانت كافية لأحمل طوال العمر كلّ مشاعر المحبة والتقدير لهذا الصحفي القدير، والقائد النقابي الكبير المعطاء المحب، وقبل كلّ شيء للإنسان الإنسان الذي وجد أصدقاؤه أن لقب الأستاذ لا يفي إحساسهم بقربه من قلوبهم فاستبدلوه ب (ابو صبيح) اللقب الأحب له.. ولهم.
إضاءات – سعد القاسم