على امتداد النصف الثاني من شهر شباط (فبراير) الماضي استضافت صالة مشوار معرضاً أنثوياً للفن التشكيلي، ذلك أن رعايته كانت للدكتورة لبانة مشوح وزيرة الثقافة، والصالة المضيفة بإدارة السيدة ميادة كلسلي، والمشاركات بالمعرض ثلاث نحاتات (يسرى محمد، أمل زيات، علا هلال) ومصورتان (بتول ماوردي، غادة حداد) وغرافيكية واحدة (لينا ديب).
فقط التغطية الإعلامية والمتابعة النقدية شارك فيها الذكور.
الحديث عن معرض تشكيلي أنثوي لا يعني الحديث عن فنٍّ تشكيلي نسويّ، وخاصة حين يقصد من ذلك الحديث وضع ذلك الفن النسوي في مرتبة أدنى من الفن (الرجالي)، فالواقع لا يشير إلى تميز الفنانين وتراجع الفنانات، وإنما يكشف عن تجارب متقدمة وأخرى متواضعة أصحابها فنانون وفنانات على حدّ سواء، والتجارب المتميزة والمهمة للتشكيليات السوريات تقف في الصف ذاته مع التجارب الهامة والمتميزة لزملائهم التشكيليين، ولا تختلف عنها لا في طليعيتها ولا في سويتها الإبداعية أو توجهاتها ومواضيعها، مما يفقد الحديث عن فن نسوي معناه، وينفي كلياً مبرر وجود هذا التعبير، حيث يظهر استعراض سريع لتاريخ الفن التشكيلي السوري حضور التشكيليات فيه منذ بدايات تنظيم المعرض السنوي، وحتى يومنا هذا، حيث نجد اسم مسرة الأدلبي في المعرض الأول المقام عام 1950 ومنور موره لي ودلال حديدي في عدة معارض بدءاً من العام التالي، وعائدة عطار عام 1953، وإقبال قارصلي وإنعام عطار عام 1954، وماي سابا عام 1955، ولمياء باكير وهالة قوتلي ومنى أسطواني عام 1956، وكارمن ماهر وعائدة سلوم عام 1957، وعفاف مبارك وبهية شورى ودرية حماد عام 1959، ومنذ الستينات وحتى يومنا هذا برزت على ساحة الإبداع التشكيلي أسماء كثيرة ذات هوية متفردة.
(فنانات أوغاريت) هن استمرار لهذا الحضور الأنثوي الأصيل في المشهد التشكيلي السوري، إلا أنهن أيضاً أول تجمع فني أنثوي يجمعه اسم واحد وملتقيات معارض مشتركة، مع الحفاظ على الخصوصية الفردية لكل تجربة، إضافة لامتلاكهن مواقع فنية وتعليمية ونقابية، وقد اخترن تسمية أوغاريت بحكم أهمية الحضور الاجتماعي للمرأة في الحضارة الأوغاريتية وهو ما ينسحب على كامل مثلث ممالك الحضارات السورية الأولى – مع إيبلا وماري- وتقدم (الوثائق البصرية) لماري الدليل الأوضح على هذه المكانة التي امتلكتها المرأة السورية في مدينة هي مركز إحدى أعرق الحضارات في التاريخ البشري، قامت على الفرات الأوسط منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وازدهرت فيها الفنون، كما هو الحال بصورة مغنية المعبد (أورنينا)، المحفوظة على شكل تمثال فريد في المتحف الوطني بدمشق. بقدر والتمثال الرائع المحفوظ في متحف حلب لسيدة النبع، أو ربة الينبوع. بكل جماله ودلالاته.
تأسست مجموعة (فنانات اوغاريت) عام 2018، بهدف إبراز دور المرأة والفنانة خاصة، في المجتمع السوري على الساحة التشكيلية بالإضافة لدورها الأساسي في بناء الأسرة ومساهمتها الاجتماعية والاقتصادية، وفي أيلول (سبتمبر) من ذلك العام أقامت ملتقاها الأول في رحاب المتحف الوطني باللاذقية بدعم من برنامج الأمم المتحدة الانمائي ومديرية الثقافة في اللاذقية وكنيسة ماريشا واليابان، وجمعيات أهلية، بمشاركة 11 فنانة من مختلف الاختصاصات إضافة إلى الفنانة ليلى نصير كضيفة شرف، وفي نهاية الملتقى تم عرض الأعمال التي أنجزت خلاله ومنها لوحات جدارية كبيرة.
على امتداد السنوات الأربع التي تلت الملتقى الأول أقامت المجموعة عدة فعاليات تشكيلية وصولاً إلى معرضها الأحدث في صالة (مشوار) الذي أكد أهمية التجربة بحكم الغنى الذي بدأ جلياً في المعرض سواء لجهة الخيارات التشكيلية والمعالجات والتقنيات والبراعة، أو لجهة التطور اللافت للانتباه في مسارات التجارب المشاركة، الذي يؤكد ما تم الإشارة إليه سابقاً عن أهمية الحضور الأنثوي في المشهد التشكيلي السوري.
الذي لا يمكن أن يكتمل الحديث عنه فيما إذا تم تجاهل هذا الحضور الخلّاق فيه.
إضاءات – سعد القاسم