أشارت الحلقة السابقة كيف أن مسلسل (إخوة التراب) عام1996 لكاتبه حسن م يوسف، ومخرجه نجدت أنزور قد أحدث تحولاً مفصلياً في الدراما التاريخية التلفزيونية العربية، إضافة إلى كونه واحداً من المسلسلات بالغة الأهمية في الدراما السورية، وإحدى محطاتها الراسخة في الذاكرة الجمعية، فقد اكتملت فيه عوامل صناعة (رواية تلفزيونية) متفوقة، بدءاً من النص المتماسك الموثق حتى كاد أن يكون بحثاً تاريخياً، مروراً بالأداء المتمكن لمجموعة الممثلين يتقدمهم أيمن زيدان، وقد كان له دور شخصي حاسم في ظهور هذا العمل، وتتويجاً بالعمل البارع المتقدم للمخرج، ففي إطار حكاية فردية مشوقة، عمل (حسن م يوسف)، كأي روائي قدير وعارف، على استحضار زمن الحدث بكل أحداثه الكبيرة، وتفاصيله الضرورية، ليكون العمل – الذي حظي بمن صاغه بصرياً بإبداع رائد في الدراما التلفزيونية السورية – حكاية عن مرحلة هامة وحساسة في تاريخ سورية الحديث ولاتزال آثارها مستمرة حتى يومنا هذا.
لن يصعب على أي متابع مهتم اكتشاف الكم الكبير من المصادر التي رجع إليها الكاتب لصياغة رائعته التلفزيونية، وخاصة المذكرات الذاتية للأشخاص الذين ساهموا في صنع أحداث تلك الفترة، أو كانوا شهوداً صادقين عليها، من مؤرخين وسياسيين وعسكريين وأدباء، ومنها ما يتعلق بشهداء السادس من أيار، خاصة أن كثيراً من اللغط أثير حولهم، مع نقص في المحفوظات المدرسية وسواها، حيث بين المسلسل كيف ساهم نمو النزعة التعصبية المتعالية لدى القادة الأتراك في نشوء الحركات الوطنية العربية الساعية أساساً إلى تحقيق العدالة والمساواة، والحصول على حقوقها المشروعة، وقد حرصت الحركة الوطنية في سورية ولبنان على إيضاح حقيقتها للعالم، ومنه دول كانت في حال حرب مع الدولة العثمانية كفرنسا التي رأت في ذلك فرصة مساعدة لتحقيق مصالحها الاستعمارية، لكن الوطنيين السوريين كانوا شديدي الوضوح في تحديد مواقفهم: لا نريد استبدال سيد بسيد آخر، وكما هو السلوك الاستعماري في حالات مشابهة فشل فيها بسحب قوى وطنية إلى سياق سياسته، فحاك المستعمرون خطة للإيقاع بالقوى الوطنية السورية والتخلص منها، وقد عرض (إخوة التراب) قيام الفرنسيين بتسريب وثائق لقاءاتهم مع الوطنيين إلى الدولة العثمانية لتتولى هي مهمة تصفيتهم، وتدمير سمعتهم باتهامهم بالاتصال بقوى معادية للدولة التي ينتمون إليها، فبتوجيه صريح من مسيو (فيشون) وزير خارجية فرنسا لقناصله في الخارج عبر برقية سرية تنص بالحرف الواحد على أن: «الحركة العربية انقلبت علينا، فادعموها علناً أمام الأهالي لكسب تعاطفهم – تعاطف الأهالي – واسعوا لقتلها في السر»، قام مسيو (بيكو) قنصل فرنسا في لبنان بإخفاء وثائق القنصلية الفرنسية خلف جدار في السفارة الأمريكية بدلاً من أن يأخذها معه عندما غادر بيروت إلى باريس، ثم قام ترجمان في السفارة الفرنسية اسمه (فيليب زلزل) بتسريب المعلومة للمخابرات العسكرية العثمانية، وهكذا اقتحم رجال جمال باشا السفارة حاملين المطارق وقاموا بتحطيم الجدار لاستخلاص صندوق السفارة المتخم بالوثائق التي تثبت تردد الوطنيين السوريين على السفارة الفرنسية، الأمر الذي استخدمه (السفاح) حجة لإعدامهم و جلهم من الصحفيين والكتاب، وهذا المشهد كفيل لوحده بتأكيد الدور التنويري والمعرفي الفاعل للدراما، التاريخية والمعاصرة، إذا أُحسن توظيفها، وربما لهذا وصفت بأنها (مرآة الواقع). (يتبع)