لا يكاد المرء يتابع أمراً سياسياً، إلا وتبرز عدة قضايا سياسية متداخلة تربط ما بين جهات العالم الأربع، ويتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعقائدي والشخصي أحياناً، فما يحدث فوق أرضنا أو بالقرب منها يترك آثاره على العلاقات الدولية كلّها، ولا تكاد دولة أو منظمة دولية أو إقليمية تخلو من ذلك التأثير.
وعلى مدى سنوات العدوان الغربي الإرهابي على سورية تبدلت مواقف وتغيرت خرائط سياسية وانكشفت مؤامرات وفشلت مخططات كثيرة، وثبتت في المقابل مواقف وتحالفات صادقة، كانت سورية محورها وأساسها المتين.
واليوم تأخذ الأحداث أشكالاً متوقعة، فمن كان يقود حملات العدوان يتراجع، ويقدم أوراق اعتماد كبادرة حسن نية بهدف بناء جسور الثقة التي انقطعت وتهدمت، وفي المقابل ثمة تغاض عن محاولات تقرب وزيارات معلنة، وبعضها يتم تسريب أخباره عبر مواقع ومنصات على علاقة وثيقة مع مراكز صنع القرار في حكومات كبرى، فيما تتغير اللغة الإعلامية في محطات وقنوات دأبت على مدى سنوات على بث الأخبار والبرامج الملفقة، وتقديم الروايات والشهادات الكاذبة، فما الذي تغير؟.
بدأ الغرب يعترف بالتدريج بسوء تقديراته وحساباته فيما يتعلق بسورية، وبدأ يدرك أن عليه أن يتغير ليتوافق مع المستجدات الدولية، وخاصة نتائج الحرب في أوكرانيا، والتي ستحمل على القارة العجوز آثاراً كارثية، مع اقتراب الشتاء، وتهديدات الرئيس بوتين بتوسيع دائرة الحرب واحتمالات اللجوء لاستخدام أسلحة أشد فتكاً، فقد قال جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي: إن على الاتحاد أن يأخذ تهديدات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بأنه قد يستخدم أسلحة نووية في الصراع مع أوكرانيا على محمل الجد.
وأضاف جوزيب بوريل: إن الحرب وصلت إلى “لحظة خطيرة”، الأمر الذي يشير إلى بدء تلمس المخاوف المستقبلية، فالحدث في سورية، أما الدرس المستفاد فهو في أوروبا التي تسير خلف القاطرة الأميركية من دون تقدير لمستقبلها.
أما الجانب الإيراني فلا يبدو مستعجلاً على التوصل لاتفاق نووي مع الولايات المتحدة الأميركية برغم الظروف الصعبة والضاغطة التي يعيشها، وتغرق أوروبا في سوء تقديراتها بالنسبة لهذا الملف بعد تصريحات كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا العدائية تجاه إيران، فهل تتعظ من الدرس ذاته، وتبدأ بالتراجع والبحث عن مصالحها.
أعتقد أن الأيام القليلة القادمة كفيلة بالجواب الشافي، وهو لا شك سيكون في صالح الدول التي تلتزم بالقوانين الدولية، وتالياً بصالح العلاقات الدولية كلها، بعيداً عن الغطرسة الأميركية.