دمشق القديمة حديثاً.. وحداثة

 

لا تربطني ذكريات طفولة دافئة مع المدينة القديمة فقد ولدت في حي يبعد مئات الأمتار عن سورها، وفي بيت رغم أنه يوصف بالعربي إلا أنه يفتقد الفسحة السماوية وبحيرة الماء الشهيرة وسطها وأشجار الياسمين والنارنج والكباد والليمون والأكي دنيا (المشمش الهندي)، لكنه في المقابل كان يضم درجين خشبيين يصل الأول الباب الخارجي بالطابق العلوي، ويمتد الثاني من المطبخ إلى السطح حيث كان ينشر الغسيل وصواني المشمش والبندورة المهروسين لتنضج تحت الشمس، قبل أن تملأ (قطرميزات المونة) بالمربى اللذيذ ورب البندورة، صعدت إلى سطح بيتنا القديم مرة أو مرتين برفقة أمي (أكرم الله مقامها) لكنني لم أنس بعد أكثر من ستة عقود ذلك الإحساس الرائع بالرحابة الذي كنت أفتقده في بيتنا الضيق، وهو الإحساس ذاته الذي شعرت به بعد وقت قصير حين ذهبت مع أهلي لرؤية البيت الحديث الذي سننتقل إليه في الحي ذاته.

غادرت البيت العربي ولما أتم الرابعة من عمري محتفظاً بذكريات قليلة منه، وكان معظم جوار بيتنا الجديد قد انتقلوا إلى حارتنا من بيوتهم الأولى في أحياء المدينة القديمة، مصطحبين معهم كماً كبيراً من الحنين إلى تلك البيوت لم أكن قادراً على فهم سره، وهم الذين سعوا بحماسة إلى هذا الانتقال، تعرفت في مدرسة عمر بن الخطاب، مدرستي الأولى القريبة من منزلي بطبيعة الحال، على البيت الدمشقي التقليدي بشكله المعماري الكامل، ثم تكررت التجربة حين انتقلت إلى مدرسة إبراهيم هنانو فقد كان بناؤها -ولا يزال- يحتفظ بالكثير من مفاهيم العمارة الدمشقية القديمة، إلا أنه كان علي أن أنتظر نحو عشرين سنة لأتعرف على بيت دمشقي أصيل، كان ذلك مع التحاقي بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق حيث ربطتني صداقة حميمة مع (عبد العزيز مصري) -أسعد الله روحه- أحد أميز طلابها، استتبعت زيارات كثيرة إلى منزل أسرته التقليدي في حي العمارة، كان عبد العزيز إلى جانب دراسته يعمل في جانب من جوانب البناء فكان خبيراً حقيقياً في طرق عمارة وترميم البيت الدمشقي، وإلى ذلك كان عاشقاً للمدينة القديمة عارفاً بأسرار حاراتها وأزقتها، وقد نجح في نقل مشاعره إلي، وكنت حينذاك أعمل في القصر العدلي إلى جانب دراستي في الكلية التي كانت تشغل مبنى المجلس الأعلى السوري اللبناني المطل على ساحة التحرير في نهاية شارع بغداد، وقد حرصت على أن أذهب إليها كل يوم من طريق مختلف انطلاقاً من شارع النصر لأكتشف المدينة التي أنتمي إليها دون أن أعرفها، وكنت في كل يوم أتعرف على ما لم أكن أعرف وأتمتع بدفء المكان وسحر حاراته وبيوته وأسرار طرقاته، وقد عزز هذا أن كثيرين من أصدقاء الدراسة الذين قدموا من خارج دمشق قد استأجروا غرفاً في الحارات القديمة القريبة من الكلية، وأن تلك الحارات كان موضوعاً لمشاريع الرسم التي ننفذها فيها محاطين بحفاوة أهلها وترحيبهم.

خلال عملي في صحيفة (الثورة) أثيرت مسألة هدم زقاق (الحمراوي) الممتد بين قصر العظم والجامع الأموي، وكلفتني الصحيفة بعمل تحقيق حول الموضوع، وهناك شاهدت بيوتاً تشبه بيتنا القديم لا تمتلك بحيرات ولا أشجاراً، ولمست رغبة قوية لدى سكانها في الانتقال إلى بيوت جديدة تمتلك مواصفات صحية أفضل، أما البيوت الكبيرة فقد غادرها أصحابها وأجّرت كغرف سكنية مفردة، أو تحولت إلى ورش صناعية، وعدد منها هجرت وطالها الإهمال فتهاوت من ذات نفسها، كان تحول اجتماعي كبير قد ترك أثاره على المدينة القديمة وبيوتها الكبيرة خاصة، فقد اختفت الأسر التي تضم الأب والأبناء جميعاً والذين كانوا غالباً يعملون في المهنة ذاتها والمكان ذاته، واتجه الأبناء لمهن مختلفة عن مهن أباءهم، ومنازل مستقلة عنهم فآلت المنازل الكبيرة إلى ما آلت إليه..

حين أتجول اليوم في المدينة القديمة يحضر تاريخ مفعم بالحكايات، تتعدد فيه العقائد وتتجاور المعابد، فيراودني السؤال ذاته:

كيف يمكن لهذه المدينة الرائعة أن تحفظ روحها، وتكون قادرة في الوقت ذاته على الانتماء إلى روح عصرنا؟

آخر الأخبار
تأجيل امتحانات الجامعة الافتراضية لمركز اللاذقية انقطاع الكهرباء في درعا.. ما السبب؟ درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري