من غير المُرجّح أن تعمد الدولة وعلى نحوٍ مقصود إلى بخس الحقوق لقسمٍ محدد ضمن شريحة تسعى (الدولة) في الأصل لتقدير أتعابها وتحفيزها وتشجيعها ليس على العمل فقط، وإنما على التمسك بها أيضاً لبقائها في البلاد وسط هذه الموجة المستمرة من محاولات الهجرة لكوادر البلاد الاقتصادية منها والعلمية، ولاسيما الكوادر الطبية التي خسرنا منها الكثير، ومن الواضح أن المرسوم التشريعي رقم / 21 / لعام 2023م والذي كان قد قضى بمنح الأطباء البشريين العاملين أو المتعاقدين في المشافي والمراكز الصحية التابعة لوزارات (الداخلية-الدفاع- التعليم العالي والبحث العلمي- الصحة) تعويض طبيعة عمل بنسبة 100% من الأجر الشهري المقطوع بتاريخ أداء العمل، قد جاء في هذا الإطار.
ورغم أن المرسوم جاء شاملاً لجميع الأطباء دون استثناء (العاملين أو المتعاقدين) ولكن فقهاء البيروقراطية تمحصوا جيداً في أمر المرسوم وتمكنوا – مبدئياً – من تحييد الأطباء المقيمين في المشافي الحكومية التابعة لوزارة التعليم العالي رغم أن العقود المنظمة بينهم وبين الجامعات تثبت أنهم حاصلون على إجازة في الطب، ما يعني أنهم أطباء من دون جدل، وهم بالفعل يمارسون مهنة الطب على أكمل وجه ( إسعافياً وتشخيصاً وعلاجاً ) غير أن تحييدهم قد جرى فعلاً وتم حرمانهم من هذا التعويض بذريعة أن اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات تتضمن أن يتم التعاقد مع طلاب الدراسات العليا المقبولين وفق نظام المفاضلة العامة في كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة وفق القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم / 50 / لعام 2004 بصفة عمال مؤقتين، وليس بصفة أطباء للعمل في المشافي – على حد استقرار الرأي البيروقراطي – ولذلك يتعذر منح هذا التعويض لهم .. !
هؤلاء الأطباء المتعاقدون مع الجامعات والممارسين فعلياً لمهنة الطب في المشافي التعليمية، حتى وإن كانوا متعاقدين وفق قانون العاملين في الدولة وبصفة عمال مؤقتين فإن هذا لا ينفي عنهم صفة كونهم أطباء حقيقيين، وهذا التحييد لهم وحرمانهم من هذا التعويض الذي يستحقونه يُشكّل خطراً مُحدقاً للمشافي التعليمية، لأنها بذلك باتت مهدّدة بنقص أكبر في الكوادر الطبية، التي هي بالأساس تعاني حالياً من هذا النقص، ولا نستبعد أن تتفاجأ وزارة التعليم العالي وجامعاتها ومشافيها مستقبلاً بانكماش كبير – إن لم يكن بالإقلاع – من قبل المجازين في الطب تجاه التورط بمثل هذا التفاضل فيما لو استمر هذا الإجحاف سارياً، ما يهدد بحدوث نقص كبير في مشافي وزارة التعليم العالي من الأطباء وتعميق لمشكلة الشواغر التي يصير من الصعب ترميمها.
ما نأمله هو إعادة النظر بهذا الفقه البيروقراطي، وتشميل الأطباء الذين يتابعون دراساتهم العليا بالمرسوم 21 لعام 2023م، وليس من المنطق حرمانهم لأنهم يطمحون إلى متابعة دراساتهم العالية، وهم أساساً يستحقون هذا التعويض أكثر من غيرهم، فصحيح أن الجامعة تقدم لهؤلاء الأطباء الإقامة والطعام وكساء العمل أو بعضها حسب ما يحدده نظام الدراسات العليا الخاص بالكلية ( كما جاء في قانون تنظيم الجامعات ) ولكن يُشترط عليهم التفرغ للدراسة وألا يكون الواحد منهم مكلفاً
بالعمل في أي من وزارات الدولة أو مؤسساتها أو غير ذلك وألا يمارس المهنة خارج الجامعة وعليه أن يقوم بالواجبات التي يحددها مجلس الكلية.
أي غير مسموح لهؤلاء الأطباء بأي دخل آخر وممنوع عليهم فتح عيادة ولا ممارسة الطب إلا في إطار العقد المُبرم مع الجامعة.
فهل من سبيلٍ للإنصاف ودرء المخاطر ..؟