الثورة – رولا عيسى:
لاشك أن القرارات الإصلاحية في الشأن الإداري والوظيفي ركيزة أساسية في مسار بناء دولة المؤسسات وتعزيز كفاءتها، خاصة في مرحلة تواجه فيها البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية. ويبرز اليوم موضوع ضبط التعيينات وتجديد العقود في القطاع العام، بما يحمله من أبعاد تتجاوز الجانب الإداري الضيق لتلامس القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمالية والسياسية. فالقرار لا يقتصر على معالجة مظاهر الترهل الوظيفي، بل يوجّه نحو إعادة هيكلة حقيقية لسوق العمل الحكومي، والحد من البطالة المقنّعة، واستثمار الطاقات البشرية على نحو أكثر فاعلية وعدالة.
معالجة جذور الأزمات
يقول الخبير المصرفي والمالي عامر شهدا في حديثه لصحيفة الثورة: في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، تبرز أهمية اتخاذ قرارات إصلاحية تستهدف معالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء بالحلول الترقيعية. ويضيف: من هنا جاء القرار الأخير للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية المتعلق بتنظيم التعيينات وتجديد العقود في المؤسسات العامة، ليشكّل خطوة جادة على طريق إعادة هيكلة سوق العمل داخل القطاع العام، ومعالجة ظاهرة البطالة المقنّعة، وفتح المجال أمام استثمار حقيقي للكوادر البشرية بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. القرار بما يحمله من بنود متوازنة، والكلام لشهدا، لم يقتصر على الجانب الإداري فحسب، بل انسحب أثره على المستويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية وحتى السياسية، ليعكس إرادة واضحة في ترسيخ مبادئ دولة المؤسسات.
أبعاد القرار
حول مضمون القرار، يفند الخبير شهدا أبعاده، ويقول: نصت الفقرة أ، على عدم الإعلان عن مسابقات للتعيين أو التعاقد إلا في حال عدم توفر الاختصاصات من داخل ملاك العدد في الجهات العامة، معتبراً أن الخطوة تعبّر بوضوح عن إدراك الحكومة لوجود فائض في العديد من المؤسسات، يشكّل بدوره “بطالة مقنّعة”. ومن هنا، بحسب الخبير شهدا، فإن القرار يفتح الباب لإعادة توزيع هذا الفائض ونقله إلى مؤسسات أخرى بحاجة فعلية إلى اختصاصاتهم، وبذلك يجري استثمار الكوادر المعطّلة، وتخفيف الضغوط المالية عن مؤسسات مثقلة بالعمالة الزائدة على حساب مؤسسات أخرى تعاني نقصاً في الأيدي العاملة.
الكوادر الشابة
ويتابع شهدا في قراءته لمضمون القرار قائلاً: الفقرة ب، أكدت على عدم رفع طلبات تحديث أو تمديد الخدمة لمن بلغ سن التقاعد، هذا البند من وجهة نظره يحمل دلالة واضحة على جدّية الحكومة في إفساح المجال أمام الكوادر الشابة، وفتح مواقع وظيفية جديدة ستصبح شاغرة بفعل الإحالة إلى التقاعد، ما يشكل بدوره خطوة إضافية لمعالجة البطالة ومنح فرص عمل فعلية للأجيال الجديدة.
يصل الخبير المصرفي والمالي إلى الفقرة ج، إذ تطرقت إلى عدم تجديد العقود المؤقتة عند انتهاء مدتها إلا في ضوء الحاجة الماسة، وبموافقة الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، هنا يعلق: هذه النقطة تحديداً قد تثير نقاشاً واسعاً، لكنها في جوهرها تأتي لمعالجة الخلل المزمن الناتج عن تضخم العقود المؤقتة، التي في كثير من الأحيان لم تكن ذات جدوى اقتصادية بل ساهمت في تعميق البطالة المقنّعة. كما أن ربط التجديد بموافقة الأمانة العامة للرئاسة يسدّ الباب أمام المحسوبيات والفساد والمزاجية في اتخاذ القرارات، ليضفي جدية ورقابة مركزية على آلية التوظيف، وفقاً لشهدا. ويرى أن القرار لا يقتصر على أبعاد معينة ويقصد هنا (المستوى الإداري) بل يمتد في قراءته إلى مستويات أخرى.
أربعة مستويات
ويلفت إلى أنه على المستوى الاقتصادي، القرار يسهم في ترشيد الإنفاق العام، والحد من الهدر الناتج عن فائض العمالة، كما يؤدي إلى إعادة توزيع الموارد البشرية بما يعزز الكفاءة والإنتاجية، ويرفع الطلب الاستهلاكي في السوق، نتيجة خلق فرص عمل حقيقية، ما ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي من دون آثار تضخمية تُذكر.
أما على المستوى الاجتماعي، ينوه بأنه من خلال ضبط العقود وإعادة الهيكلة، يعزز القرار فرص الاستقرار الاجتماعي، إذ يوفّر للعامل وظيفة ضمن اختصاصه ويقلّل من حالة عدم اليقين التي عانى منها العاملون بالعقود المؤقتة.
كما يسهم في الحد من الفقر ومعالجة البطالة المقنّعة، بما ينعكس على الانتماء الوطني وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
أيضاً يتطرق الخبير شهدا إلى المستوى المالي وما يحمله القرار من أهمية وأثر في تخفيف عبء الرواتب غير المنتجة عن كاهل بعض المؤسسات، وإعادة التوازن في كتلة الأجور، ويعزز من قدرة المؤسسات العامة على الصمود المالي، ويمنعها من الوصول إلى عتبة الإفلاس التي وصلت إليها بعض الجهات نتيجة تضخم عدد العاملين.
أخيراً.. على المستوى السياسي، يؤكد الخبير المصرفي والمالي أن القرار يحمل رسالة واضحة حول جدّية الرئاسة في بناء دولة مؤسسات حقيقية، قائمة على استثمار الكفاءات والاختصاصات لا على الولاءات والمحسوبيات، وهو بذلك يشكّل ورقة سياسية تعبّر عن مصداقية الدولة في السعي للشراكة الوطنية، ويعطي صورة للعالم عن توجه جاد نحو ترسيخ أسس الحوكمة الرشيدة.
خطوة إصلاحية
ويختم الخبير شهدا: إن القرار الأخير خطوة إصلاحية متقدمة لمعالجة البطالة المقنّعة وإعادة هيكلة الجهاز الإداري، جمع بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والمالية والسياسية في آن واحد، رغم ما قد يثيره من نقاشات واعتراضات، إلا أن جوهره يصب في مصلحة استثمار الموارد البشرية بالشكل الأمثل، وبناء مؤسسات قوية وفاعلة.
وأشار إلى إنه قرار يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل المؤسسي، قائمة على الكفاءة والتخصص، تمهيداً لبناء دولة حديثة قادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصنع مستقبل أفضل.
مضمون القرار
هذا وجاء في القرار توجيه الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية – شؤون مجلس الوزراء إلى الجهات العامة كافة، أنه في إطار التوجهات الحكومية الرامية إلى تحسين كفاءة الجهاز الإداري، وتعزيز الأداء المؤسسي، وترشيد استخدام الموارد البشرية المتاحة بما يحقق معالجة ظاهرة الترهل الإداري وضعف الإنتاجية لدى الجهات العامة عموماً وعلى مستوى كل جهة عامة على حدة.
يطلب إليكم التقيد بالآتي:
أ. عدم الإعلان عن إجراء مسابقات للتعيين أو التعاقد أو التوظيف بكل أشكاله، إلا في حالات الضرورة القصوى وبناء على مذكرة تبريرية تبين عدم توفر الاحتياج والاختصاص من داخل الملاك العددي للجهة العامة وباقي الجهات الأخرى وبالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية.
ب. عدم رفع طلبات تمديد الخدمة لمن بلغ سن التقاعد إلا في ضوء الحاجة الماسة.
ج. عدم تجديد العقود المؤقتة في حال انتهاء مدتها أيا كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسة، وبموافقة الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية حصراً.
د. عدم رفع طلبات الإعادة للعمل لحالات صرف من الخدمة- استقالة بحكم المستقيل) إلا إذا كان سبب إنهاء الخدمة يعود لدواع أمنية في عهد النظام البائد.
ه. التشدد في فرض العقوبات المسلكية وفق أحكام القانون الأساسي للعاملين في الدولة، ومراعاة تدرجها بما يضمن جودة الأداء الإداري وتقديم الخدمات العامة.
وتفعيل أحكام المادة 25 من القانون الأساسي للعاملين في الدولة التي تقضي بتسريح العامل الذي لا يرفع مرتين متواليتين أو ثلاث مرات خلال سنوات خدمته، على أن يتم التقييم الدوري على نحو جدي وصارم وموضوعي.
ز. التشدد في مراقبة الدوام للعاملين لديكم، وفي تطبيق نظام البصمة في كافة الأجهزة الحكومية.
ح. العمل على تدوير العاملين ضمن الجهة العامة الواحدة أو بين الجهات العامة الأخرى ضمن المحافظة الواحدة وذلك بالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية ووفق الحاجة والاختصاص.
ط. عدم إصدار قرارات الندب والتكليف، ويستثنى من ذلك حالات النقل والندب والتكليف إلى المحافظات الشرقية.
ي. تكلف الجهات العامة بالإيعاز إلى مديري التنمية الإدارية لديهم لإبلاغ العاملين بانتهاء الإجازة المأجورة الممنوحة والعودة للعمل أصولاً في 1/9/2025.