الثورة – جهاد اصطيف:
الطرق ليست مجرد مساحات معبدة بالإسفلت والحصى، بل هي شرايين الحياة التي تنقل البشر والبضائع وحتى الأفكار، ويبرز طريق غازي عنتاب، الواقع شمال سوريا بريف محافظة حلب، كواحد من أهم هذه الشرايين التي ربطت، ولعقود طويلة، مدينة حلب (عاصمة الاقتصاد السوري) بريفها الشمالي وصولاً للحدود التركية.
رغم أهمية الطريق وموقعه الاستراتيجي، الذي جعله عبر تاريخه الوجهة الأولى لقوافل التجارة وحركة المسافرين، تدهورت به الحال خلال السنوات الماضية، ليصنّف ضمن قائمة أسوأ الطرق بعد أن بات مليئاً بالحفر والخنادق والفتحات غير القانونية، التي تسببت بحوادث وأعطال ومعاناة يومية لآلاف السائقين والمواطنين.
اليوم، ومع إطلاق مديرية الخدمات الفنية في حلب مشروعاً واسعاً لإعادة تأهيله، بالتعاون مع فرق تطوعية من أبناء المنطقة، عادت الحياة إلى هذا الطريق، في خطوة تعكس إرادة جماعية لإحياء البنية التحتية، وتحسين حياة الأهالي، وإعادة وصل ما قُطع بين الشمال السوري وحلب.
جهود متكاملة
وأوضح مدير الخدمات الفنية في حلب مصطفى ديبو، وفق بيان لمجلس المدينة، أن المشروع يشمل معالجة الحفر وردم الخنادق المنتشرة على طول الطريق، إضافة لإعادة تأهيل المنصفات وإغلاق الفتحات غير القانونية التي كانت تشكل تهديداً لسلامة المرور.
وأضاف: هدفنا ليس فقط ترميم الأضرار، بل إعادة الطريق إلى حالته الطبيعية كخط رئيسي واستراتيجي يربط الشمال السوري بمدينة حلب”، وإننا نعمل على أن تكون هذه الأعمال بمثابة إعادة شريان حقيقي للحياة، بما يضمن انسيابية الحركة وسلامة المواطنين.
اللافت في هذا المشروع ، العمل المشترك والتنسيق المتبادل، إذ استعانت مديرية الخدمات بجهود فرق تطوعية محلية، ما يعكس حس الانتماء والمسؤولية لدى أبناء المنطقة تجاه إعمار بلادهم ومصالحهم المشتركة.
امتنان وآمال كبيرة
ولم يكن المواطنون بعيدين عن المشهد، على العكس، فهم أكثر من شعر بوقع الحفر والخنادق التي حولت الطريق إلى ” مصيدة ” للسيارات والأرواح، حيث قال محمد. أ، وهو سائق سيارة أجرة : كنا نقطع الطريق بحذر شديد، الحفر العميقة كانت تتسبب يومياً بأعطال لسياراتنا، والكثير من الحوادث وقعت بسبب الفتحات العشوائية، اليوم نشعر بارتياح كبير مع بدء أعمال الصيانة”.
أما السيدة أم عبد الحي، وهي أم لثلاثة طلاب جامعيين يسلكون الطريق بانتظام، أكدت أن إعادة تأهيل الطريق تعني لها الاطمئنان على أولادها، وتضيف : كنت أعيش قلقاً دائماً عليهم وخصوصاً في الليل، هذا المشروع ليس مجرد إسفلت، بل راحة نفسية وأمان.
الاقتصاد لا يتحرك من دون طرق، فكل السلع من القمح إلى القطن، ومن الأجهزة الإلكترونية إلى مواد البناء، تحتاج طريقاً آمناً وسلساً للوصول إلى الأسواق.
طريق غازي عنتاب كان تاريخياً بوابة التبادل التجاري بين سوريا وتركيا، ومن خلاله تدفقت المواد الخام والمنتجات المصنعة، ما جعل إعادة تأهيله اليوم خطوة لها انعكاسات اقتصادية مباشرة.
إنقاذ الأرواح
الحوادث المرورية لم تكن مجرد أرقام، بل هي قصص مأساوية لعائلات فقدت أحباءها، فالحفر العميقة والفتحات غير القانونية كانت السبب الرئيسي لهذه الحوادث، ومع عمليات الصيانة والإغلاق المنظم لهذه الفتحات، يأمل المواطنون أن تتراجع معدلات الحوادث بشكل كبير.
يبين أحمد. ح، سائق شاحنة : كل من يسلك الطريق يعرف أنه كان خطراً، اليوم نريد أن نرى طريقا منظماً أفضل، حتى لا نخسر أرواحاً جديدة.
إعادة تأهيل طريق غازي عنتاب ليست مجرد عمل خدمي، بل تحمل رسالة استراتيجية، فحلب التي عُرفت بأنها ” قلب سوريا الاقتصادي” وعاصمتها الصناعية، لا يمكن أن تستعيد مكانتها من دون طرق قوية تربطها بمحيطها.
هذا الطريق، بما يمثله من بوابة إلى الشمال السوري وتركيا، هو خطوة لإعادة وصل حلب بشرايينها الحيوية، ما يمهد لمرحلة جديدة من التنمية والانتعاش.
طريق غازي عنتاب الذي كان بالأمس مثقلاً بالحفر والمآسي، يعود اليوم ليلمع كشريان حيوي، ينقل البضائع والطلاب والأحلام، ويؤكد أن إعادة الإعمار تبدأ من أبسط التفاصيل “حجر على حجر وطريق بعد طريق”.