الثورة – علي إسماعيل :
دمشق هي من اختارت أن تخاطب العالم بلغة الاقتصاد، فتمد جسورا جديدة من التواصل عبر معرض دمشق الدولي في نسخته الثانية والستين، لتؤكد أن السياسة ليست إلا الوجه الآخر للاقتصاد والعكس صحيح، وأن الاستقرار لا يكتمل إلا حين تتشابك المصالح الاقتصادية في شبكة من العلاقات التي تُزيل التحديات وتُعيد رسم المسارات.
فلذلك لا يكون المعرض مجرد حدث اقتصادي صامت ومحدد، بل رسالة سياسية فيها من البلاغة ما يجعلها تُقرأ من بين أجنحة المعرض وداخل الصالات أكثر مما تُقرأ من بين التصريحات والردود.
الاقتصاد والسياسة صنوان لا يفترقان فلا اقتصاد قوي بلا استقرار سياسي، ولا سياسة محكمة بلا بناء اقتصادي سليم. في الحالة السورية، تبرز هذه الحقيقة بشكل جلي وبأبعادها الشاملة وبكل بساطة فالمستثمر الخارجي لا يغامر بالدخول إلى سوق ما لم يلمس إرادة سياسية واضحة تُعيد تصويب العلاقات الدولية بعد أن شوهتها عقود من الممارسات الخاطئة للنظام البائد ، وما لم يلمس كذلك إصرارا وجدية في تصحيح مسار نحو المصالح الشخصية بعد أن عبثت به المصالح الشخصية خلال العقود الماضية.
وهنا تبرز القيمة المضافة للجهود الدبلوماسية التي مهدت الطريق أمام العقود والاتفاقيات، وأزاحت صخورا حالت دون العواصم، وحولت الاقتصاد إلى أداة سياسية فاعلة تعيد سوريا إلى موقعها الجيوسياسي ضمن خارطة العالم.
حضور استثنائي ورسالة مضاعفة
الرئيس أحمد الشرع افتتح فعاليات معرض دمشق الدولي 2025 برسالة سياسية بليغة نُحِتَت أحرفها من شعار المعرض “سوريا تستقبل العالم”. فالشعار لم يكن محض اختيار بلاغي، بل رسالة سياسية مفادها أن دمشق عادت لتفتح أبوابها السبعة التاريخية وتستعيد دورها كحاضنة للتلاقي الدولي السياسي الاقتصادي الثقافي الحضاري الإنساني العربي والعالمي.
فيكون الحدث بلغة الأرقام أبلغ، مع مشاركة أكثر من 850 شركة محلية وعالمية من 20 دولة عربية وأجنبية، على مساحة تقارب 95 ألف متر مربع في أرض مدينة المعارض بريف دمشق. وليتيح فرصة كبرى للشركات والمستثمرين للتلاقي، يتوجه حضور نوعي عربي ودولي يقرؤه المحللون كتصويت غير مباشر على عودة سوريا إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي والسياسي.
دلالات متجددة
منذ تأسيسه عام 1954، شكّل معرض دمشق الدولي وجهاً حضارياً سورياً نحو الخارج، ومقياسا واقعيا لترجمة التعاطي السياسي مع سوريا عبر العلاقات والاتفاقيات الاقتصادية، لذلك فإن عودته في هذا العام لا يقرأ فقط في بعده الاقتصادي والتجاري، بل في كونه مؤشراً على قدرة الدولة على رسم وتخطيط وتنفيذ السياسات الاقتصادية وإعادة وصل ما انقطع من شراكات استراتيجية انطلاقا من العمق العربي والإقليمي نحو العالمية.
إن المعرض في نسخته الـ62 ليس مجرد حدث دوري، بل نافذة سياسية تقول للعالم: إن سوريا حاضرة، يتكامل فيها اقتصادها مع رؤية سياسية قادرة على استيعاب المتغيرات الدولية. فالمعارض ليست مجرد أجنحة وصالات، بل رسائل تُعبّر عن الإرادة الوطنية بالانفتاح والتعاون.
الاقتصاد بوصفه لغة السياسة
المشاركة الدولية في هذه الدورة، تؤكد أن الاقتصاد هو اللغة الأكثر تعبيرا عن غوامض التوازنات السياسية. فحضور شركات من دول متعددة الاتجاهات السياسية يعكس قناعة بأن المصالح الاقتصادية قادرة على تجاوز الحواجز والتحديات. وهذا يدل أن معرض دمشق الدولي لم يعد مناسبة اقتصادية بحتة، بل أصبح بوابة سياسية تُترجم السياسة إلى عقود واتفاقيات، وتتحول الاستثمارات إلى وثائق ثقة وأوراق اعتماد متبادلة.
وليغدو التبادل التجاري انعكاسا دقيقا لعلاقات سياسية مستقرة، وشهادة ثقة بالبيئة الوطنية، وهذه كلها عوامل أساسية تدعم الاستقرار الداخلي.
ومن هنا فإن أهمية المعرض أيضا لا تكمن فقط في عودته بعد سنوات من الانقطاع، بل في قدرته على الاستمرار بوصفه تقليداً راسخاً، فالاستمرارية هنا تحمل رسالة سياسية كبرى تقول إن الدولة السورية تدرك جيدا أن الاقتصاد ليس فعلاً آنياً بل مسارا طويل المدى يحتاج إلى تراكم الثقة والنجاحات.
كل دورة من المعرض تتحول إلى محطة تراكمية تبني فوق سابقتها، فسوريا جزء من شبكة المصالح الدولية، ومَن يقرأ المشهد جيداً يدرك أن بوابة الاقتصاد هي المدخل الأنجع لفهم السياسة السورية في المرحلة المقبلة.
زبدة القول إنه لا يمكن فصل معرض دمشق الدولي عن سياقه السياسي الأوسع. فهو ليس مجرد مساحة للتسويق والترويج، بل خطوة نوعية جديدة في معركة سوريا لإعادة تموضعها عبر الاقتصاد بقدر ما تخوضها عبر السياسة. الاستثمارات التي تُوقّع على أرض المعرض هي صكوك اعتماد سياسية تُعيد وصل ما انقطع، وتصحّح المسارات التي انحرفت بفعل سياسات النظام البائد وتداعياتها.