ثورة أون لاين- بقلم رئيس التحرير: علي قاسم
تستنفد آستنة أوراقها المؤجلة، وربما الـمُرَحَّلَة مما راكمته جولات سابقة.. وتكاد تكون في مواجهة مفتوحة مع الزمن الضاغط وهو يخوض سباق المسافات الطويلة مع التطورات الميدانية من جهة، ومع التحديات الناتجة عن نكوص واضح وجلي من قبل أحد الأطراف الضامنة،
وتحديداً التركي الذي لا يكتفي بالتسويف والمماطلة، بل يستل جملة من الإجراءات من خارج النص المتفق عليه، ويحكم على المعطيات وفق تمنياته أكثر مما هي ترجمة لالتزامات تفرضها صيغة آستنة من جهة ثانية.
فالتعويل على ضيق الخيارات ومحدودية البدائل يجاري ممارسات وخطوات تبدو استفزازية، في ظل رهان تركي يشاركه فيه الأميركي والكثير من أدواته في المنطقة على أن المساحة المتاحة تتلاشى تدريجياً، وثمة من يطرح المسألة من باب المناكفة المشتركة التي خرجت بها مسبقاً بعض المعلومات المتوافرة عن خطوات استباقية، تقوم بها واشنطن، وتقلدها بها تركيا من باب العدوى تارة، ومن زاوية التفاهم بين الطرفين تارة أخرى، وخصوصاً ما يتعلق بإقامة قواعد عسكرية من خارج القانون الدولي وبعيدة عن مفردات ومصطلحات أي تفاهم ثنائي أو دولي، وتشكل نسفاً لمنهجية العمل في آستنة، وخروجاً فظاً على مدخلاتها الأساسية، وهو ما اقتضى رداً روسياً على بعض جزئياتها، وتوضيحاً لما التبس في بعضها، وتفسيراً لما بدا غامضاً في بعضها الآخر.
ما تسربه النقاشات الساخنة، ولو جاءت في حيز من الهوامش التي تحتضنها الأروقة الجانبية خارج قاعات آستنة، يشي بأن النيات المبيتة الأميركية والتركية تشتغل على التحريض السياسي، والمشاغلة الميدانية بشقيها: اللوجستي الداعم والمساند للتنظيمات الإرهابية، والعملي عبر خطوات متوازية، تجري بتنسيق مسبق مع محاولات محمومة للاستثمار في المتغيرات التي تشهدها المعادلات الإقليمية، مع تركيز أميركي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى على توتير الأوضاع وتوجيه الاتهامات تحضيراً لمعارك بديلة أو جبهات تحاصر من خلالها آستنة، وتُحكِم تفخيخ المشهد عبر الصاعق التركي الجاهز.
المماحكة التركية تؤشر إلى صيغ إضافية من التعاطي، قد توصل في إحداها إلى إعادة تمركز تركي يتمايز قليلاً لجهة الاصطفاف، ويبتعد عن الضفة الروسية نحو تلقف قاطرة الإيحاءات الأميركية، التي رمت بالورقة الكردية لتحرقها ثمناً لعودة تركية إلى الحضن الأميركية، أو في الحد الأدنى الاقتراب أكثر من المجال الأميركي بانتظار ما تنتهي إليه التجاذبات القائمة على الخطوط الموازية لآستنة، حيث من الواضح أن أميركا أخذت قرارها بعدم السماح بإحداث اختراقات لا يمكن تطويقها، وإن عجزت عن إبقاء تركيا خارج مشهد التفاهمات مع روسيا، وتحديداً ما يخص آستنة.
فالآمال والتطلعات المرسومة تصطدم بحائط مزدوج من التربص المشترك الأميركي التركي بكل خطوة تحققها آستنة، وإن كانت السلبية التركية بلاءاتها المباشرة أحد أخطر العوامل التي تهدد مسارها، بدءاً من رفض توسيع مروحة المشاركين للتفرد بقيادة التنظيمات الإرهابية، والتحكم بمسارات مواقفها والاستثمار فيها، وليس انتهاء برفض الفصل بين التنظيمات التي قبلت أن تكون تحت مظلة آستنة، وتلك الرافضة حتى اللحظة لمخرجاتها، والتي لا تدخر جهداً من أجل نسفها من الأساس بالتكافل والتعاضد مع دول وأطراف إقليمية ودولية، مروراً برفض التوقف عن ممارساتها التي تتعارض مع روح ونص آستنة في الشكل والمضمون.
آستنة في جولتها السابعة لم تعد تخوض التحدي داخل قاعاتها فقط، ولا في ردهاتها الجانبية فحسب، بقدر ما تحارب على جبهات مفتوحة خارجها، وربما أبعد من مساحات التجاذب حولها، واللاعبون المتضررون من مسارها -الإقليميون والدوليون- ينتظرون فرصتهم.. كبيرهم قبل صغيرهم، من بقي دوره ومن أفل، وكل طرف يرسم رؤيته على مقاس تمنياته، وتلك هي أكثر المعضلات التي تجزم أنه من العبث الرهان أو التعويل على النيات وحدها، ولا على إرادات متباعدة تتقاذفها حسابات ومعادلات متعارضة ومتناقضة، لتبقى إحداثيات الميدان وتطورات الأحداث هي كلمة السر في التفاؤل أو التشاؤم، وربما .. المفتاح السحري لدخان أبيض مؤجل حتى اللحظة، ولا يزال من المبكر جداً انتظاره ..!!
a.ka667@yahoo.com