الثورة أون لاين – لميس علي:
كل ما نفعله ليس سوى ملء فراغات..
روحية.. عاطفية.. اجتماعية.. وحتى مادية.
المفارقة أن ثمة ما يبعث داخلنا شعوراً بالامتلاء “الوهمي” الذي لا ندرك عمق حضوره إلا من خلال تلك الفراغات غير الملموسة ولا المدركة بطريقة واعية من قبلنا.
بدافع غريزي، أو بحكم العادة ننجرّ وراء ما نعتقد أنه يسدّ احتياجاتنا، التي تقولبت في الزمن الحاضر على هيئة مستحدثة، إلى كل ما هو آني، فوري، ومستعجل..
بات مستهجناً كل ما هو عميق وحقيقي بفعل سيادة الاستعجال اللحظي الذي أفرزته صور الهشاشة المفرطة المحيطة بنا..
لم يعد يشغلنا أي من الاهتمامات الكبرى وفق ما يراه عالم الاجتماع جيل ليبوفتسكي في كتابه “عصر الفراغ”.. محللاً ظاهرة الاستهلاك وكيف وعد إنسان هذا العصر بتحقيق السعادة لكنها كانت محض وهمٍ.. لم يخلّصه من همومه ولا معاناته.
حالياً.. وبوسيلة خدع التواصل الاجتماعي، نحيا الوهم بأكثر أشكاله بريقاً.. نحيا وهم الاهتمام ممسوخاً إلى “لايك”.. أو متابعات.. أو حتى بوجود أعداد كبرى من الأصدقاء و”الماسيجات” المتناثرة منهم..
ما الذي سيحدث لأي منا حين ينهار جدار الافتراض الذي عوّده على لحظ مجموعة إشعارات يومية تشي بخدعة “الحضور”.. حضور “الآخر” أياً كان موقعه منا..؟
هل ستزداد حياتنا فراغاً أم امتلاءً واقعياً لم نعد معتادين عليه..؟
في الفصل المعنون قمة “اللامبالاة”، يتحدث ليبوفتسكي عن أننا أصبحنا مسكونين بالشغف باللاشيء، ملاحظاً نمو ما يطلق عليه مسمى (صحراء).. “من نوع جديد هذه المرة.. تجتاح في صمتٍ، حياتنا اليومية في قلب المدن الكبرى والمعاصرة”..
ويمكن لكلامه عن زمن الإبهار أن يحتمل إسقاطاً عن الإبهار “الافتراضي” الحاصل حالياً، يقول: “في زمن الإبهار تتلاشى التناقضات الصلبة، بين الحقيقي والمزيف، بين الجميل والقبيح، وبين الواقع والوهم، وبين المعنى واللامعنى، وتصبح المتضادات (عائمة). إننا بدأنا نفهم.. أنه صار بإمكان الإنسان أن يعيش بلا هدف ولا معنى في تعاقب وميضي، وهذا شيء مستجد. لقد سبق وقال نيتشه: (أي معنى كائناً ما كان يبقى أفضل من غياب المعنى كلياً)”.
حديث ليبوفتسكي عن الاستهلاك والسعادة المنقوصة وذكره التناقضات الصلبة والمتضادات العائمة يُحيل إلى علم الاجتماع زيجموند باومن في سلسلته المعروف بالسوائل، التي قال فيها عن الحداثة العائمة وانتهاء عصر الحداثة الصلبة حيث انتشار كل ما هو عائم وغير مستقر.
كلا الباحثين أدرك أن سمة الاستهلاك الكبرى هي ملء فراغ المتع الحسية والمادية الملموس.. ويبقى عاجزاً عن إشباع الحاجات الروحية والنفسية.
وجودنا الحالي عبارة عن فراغات.. ما إن نتوهم ملء أحدها حتى يعود يظهر آخر بجوعٍ سحيق لكل ما هو أصيل وصادق..
هل أصبحنا في عصر غياب المعنى كلياً..؟!
