ظللنا نقول إن الدجاج طائرٌ لا يطير، إلى أن طار من أمامنا وراح يحلّق بعيداً ولم نعد قادرين على التقاط ولو دجاجة واحدة، ولا الإمساك حتى بأطراف جناحيها.
المؤكد أن الدجاج لم يُطوّر نفسه حتى استطاع أن يُحدِث هذا التغيير، فهو غير قادر على ذلك لا بيولوجياً ولا خلقياً ولا عقلياً، فما نعرفه أنّ الدجاج كائنٌ لا عقل له .. يعرف أن يبيض ويُقاقي ويُلاقح بعضه من أجل البقاء كباقي الخليقة، وينقر الحبوب والأعشاب .. وهذه منتهى المدارك لديه .. فكيف استطاع أن يأخذنا على حين غرّة ويقلب المعادلة طائراً في الفضاء الرحب..؟!
لا شكّ بأن تغييراً ما .. قد حصل، والأكيد أنه ليس من جهة الدجاج تبعاً لمداركه، ما يعني أن هناك طرفاً آخر كانت له اليد الطولى في أن يُطَيِّرَهُ ونفتقده.
بجولة بسيطة في عالم الدجاج الذي يعيش اليوم منعطفاً خطيراً ينذر بانقراض القطاع عن بكرة أبيه، ونحن كنّا نكتفي بأن نتكلم ونناقش ونُشدّد دون اتخاذ أي إجراء، رغم أنّ مواد تغذية الدجاج قد فلتت من عقالها، فطن حبوب الذرة الصفراء قد تجاوز الخمسة ملايين ليرة، وطن كسبة فول الصويا تجاوز عتبة العشرة ملايين ليرة، في حين بدأت مداجن أمات الدجاج البياض بالتلاشي ..وكذلك تراجعت مداجن جدات وأمات الفروج.
وحسب بعض المختصين فإن توقف مداجن الجدات والأمات لن يسمح بإعادة القطاع للعمل قبل مضي ٧ سنوات، خسائر فادحة يتكبدها المربون…والأسعار على ارتفاعها باتت دون التكلفة .. فنرى المربين والمستهلكين يستغيثون.
في ضوء أسعار الأعلاف اليوم تكلفة إنتاج طبق البيض تتجاوز ٤٣ ألف ليرة من أرض المدجنة – على ذمة بعض المنتجين – ولذلك فلتجاوز هذه الأزمة ربما كان من الأفضل تحرير أسعار منتجات الدجاج وترك الأسعار لقوى العرض والطلب، وتمديد فترة إعفاء المربين من ضريبة الدخل لخمس سنوات إضافية.
إن كان المعنيون يرون أن هناك ضرورة لخفض أسعار البيض والدجاج وإقناعه بالعودة والكف عن الطيران، ليسترد الناس بعض القيم الغذائية التي باتت مفقودة عند الأغلبية العظمى، فلا بد من البحث عن حلولٍ جديّة كإعفاء واردات أعلاف الدجاج من كافة الرسوم والضرائب، والسماح ببيع المازوت للمربين لزوم التشغيل بالسعر المدعوم (مازوت زراعي) وعدم ضمهم إلى فئة الصناعيين.
إننا أمام قطاع حيوي يوشك على الانهيار، حتى إنّ البعض توقّع أن تتوقف كافة أنشطته خلال فترة لا تتجاوز الشهر من الآن، إن لم تُتّخذ إجراءات فعالة، فلا يوجد مربي دواجن يمتلك قيمة حمولة شاحنة كسبة فول الصويا التي تتجاوز النصف مليار ليرة..!! وقيمة صوص الدجاج البيّاض اليوم ١٠ آلاف ليرة، أي إن فوج مؤلف من عشرة آلاف صوص يصل سعره إلى / 100 / مليون ليرة، ويحتاج لأعلاف بقيمة لا تقل عن / 2.5/ مليار ليرة لدورة إنتاجية كاملة .. !!
وهذا كله غير قيمة الأدوية واللقاحات والمعقمات وأجور العمال وقيمة كهرباء ومازوت وقطع تبديل وأطباق بيض فارغة وأجور نقل وأجور عمالة، وغيرها من عناصر التكلفة.
اجتماع وزير الزراعة يوم أمس السبت مع مربي الدواجن والجهات ذات العلاقة واتخاذ جملة قرارات تُحاكي احتياجات المربين أعطت بريق أملٍ طيب لتلافي انهيار القطاع، غير أن الأمر يحتاج إلى متابعة مستمرة وترميم ما يمكن من الانهيارات التي ما كان لها أن تحصل .. كي لا يطير الدجاج ..!