الثورة – هنادة سمير:
لا تقتصر عناية المسلمين بشهر رمضان على أداء العبادات وقراءة القرآن، إنما ينبغي أن يصاحب ذلك غرس القيم السامية التي تزكي النفس، وتنفع الناس، وتخدم المجتمع، وترتقي بالأمة، وحري بكل فرد وكل أسرة أن تسعى إلى وضع برنامج لتعزيز القيم الإسلامية في النفوس لنيل سعادة الدنيا والآخرة.
ومن القيم التي يغرسها رمضان في النفوس قيمة ضبط الوقت والمحافظة عليه، فالصيام ينظم حياة الفرد بين العبادة والعمل والراحة.
ومن أعظم ثمار الشهر الكريم، أنه أفضل دورة تدريبية لفن إدارة الوقت، وحفظه واستثماره بشكل دقيق ونافع، فلا ينتظر الناس رؤية هلال شهر كرمضان، فمعرفة بداية الشهر وترقبه بداية عملية تنظيمية لترتيب أوقات المسلم فيما يأتي من أيام؛ يقول الله تعالى مبيناً وموضحاً أهمية ظهور الهلال، لتنظيم مواقيت الناس: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة من الآية:189].
فالوقت رأس مال المسلم في الدنيا، وهو أنفس من المال وأغلى من الذهب والفضة، وهو كالنفَس سريع الانقضاء عديم الرجوع وإدارة الوقت في رمضان تختلف عن سائر الشهور، إذ يبدأ الصائم تحري وقت الإمساك عند الفجر، ثم وقت الإفطار عند الغروب، ثم وقت صلاة التراويح، ووقت السحور، فيصبح لديه ملكة شيئاً فشيئاً، وإتقان لبرمجة أوقاته طيلة شهر كامل، فيكون مؤهلاً لأن ينظم ويرتب أوقاته ويحافظ عليها بالخير طيلة العام لو استشعر ماذا يفعل.
وتزداد قيمة وأهمية الحفاظ على الوقت في رمضان، كونه موسماً من مواسم الحصاد والخيرات، يقول أحد الصالحين: “العمر قصير فلا تقصره بالغفلة”.
وقد عظم الله سبحانه وتعالى الوقت فأقسم به في العديد من السور والآيات، كقوله تعالى:{وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1-2]. {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}[الليل:1-2]، {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ. وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير:17-18]. {وَالضُّحَىٰ. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} [الضحى:1-2].{وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:1-2].
ولعل أشد اللحظات التي يتحسر عليها أهلها ويتمنون إرجاعهم لتعويض ما فاتهم من وقت، عند سكرات الموت ويوم القيامة، قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون من الآيتين:99-100]. ويقول أحد الصالحين: “إضاعة الوقت من علامات المَقْتِ” فيما يقول آخر: “الوقت كالنفس إذا خرج لا يعود”.
ولأهمية الوقت حث الرسول عليه الصلاة والسلام على ضرورة المحافظة عليه، إذ يقول: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (صحيح البخاري [6412]).
فالعمر كنز من أنفقه واستثمره في طاعة الله وجده يوم لا ينفع مال ولا بنون، ومن أضاعه في الغفلة والملهيات ندم وخسر وقال تعالى: {يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [الزمر من الآية:56].
ومن أقوال الرسول عليه الصلاة والسلام، مؤكداً على أهمية استغلال الوقت في أحلك الظروف: «إنْ قامَتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكمْ فَسِيلةٌ، فإنِ استطاعَ أنْ لا تقومَ حتى يَغرِسَها فلْيغرِسْهَا» (صحيح الجامع [1424]).
وقوله :«اغتنِمْ خمساً قبلَ خمسٍ: حَياتَك قبلَ موتِك، وصِحَّتَك قبلَ سَقَمِك، وفراغَك قبلَ شُغْلِك، وشبابَك قبلَ هَرَمِك، وغِناك قبلَ فقرِكَ» (صحيح الجامع [1077]).
ولأهمية الوقت كان للسلف الصالح صور مشرقة ومقولات ذهبية ينصحون إخوانهم، نذكر منها:
قال عبد الله ابن مسعود: “ما ندمت على شيء، ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي”.
وقال الشافعي: “الوقت كالسيف فإن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر”.
بذلك ينبغي أن يكون شهر رمضان منطلقاً لتنظيم أوقاتنا، فيما سواه من الشهور، والمبادرة بالأعمال الصالحة والمفيدة وتقديمها على اللهو واللغو واللعب، عسى أن ننال سعادة الدنيا والآخرة.