البكالوريا في سوريا.. شهادة عبور أم عبء نفسي وماديّ!؟

الثورة – تحقيق جهاد اصطيف:

لم تعد شهادة التعليم الثانوي “البكالوريا” مجرد امتحان تعليمي يحدد مصير الطالب الجامعي فحسب، بل أصبحت رمزاً ثقافياً ومجتمعياً يحمل أبعاداً تتجاوز حدود القاعات الدراسية وأوراق الإجابة، ما بين تقديس اجتماعي وضغوط نفسية، يواصل هذا الامتحان حجز مكانة مركزية في الوعي السوري، إلى درجة تحوله من “شهادة عبور” إلى “معركة مصيرية”.

رهانات تتجاوز التعليم

منذ عقود، انتقلت “البكالوريا” من كونها مرحلة تعليمية طبيعية إلى طقس اجتماعي معقد، بات يقاس به نجاح الطالب ومكانته في المجتمع، فبينما بدأ الامتحان كمشروع وطني لتحرير العقول بعد الاستقلال، تحول تدريجياً إلى رهانات أسرية كبرى.

يقول الاختصاصي الاجتماعي حيدر السلامة: البكالوريا لم تعد مجرد معيار تعليمي، بل أصبحت تمثل رمزية النجاح الاجتماعي، ومقياساً لمكانة الأسرة، إلى حد مبالغ فيه.

ويضيف: كثير من العائلات باتت ترى أن شهادة التعليم الثانوي هي التي تحدد مصير الأبناء ومكانتهم الاجتماعية، وهذا الضغط النفسي يفقد الطالب قدرته على الإنجاز الفعلي، ويتحول الامتحان من اختبار دراسي إلى عبء سيكولوجي.

عقدة نفسية

هذه الرمزية المفرطة انعكست بشكل مباشر على تجارب الطلبة، كما تروي سعاد “في العقد الخامس من عمرها”، التي ما زالت تستعيد تجربتها مع البكالوريا بألم واضح: لم أكن أواجه فقط ورقة الأسئلة، كنت أواجه نظرات أبي، صمت أمي، كلام أقاربي، وحتى صورتي أمام نفسي.

وتردف قائلة: الرسوب لم يكن إخفاقاً مؤقتاً، بل بدا وكأنه إعلان صامت لفشلي المتكرر، شعرت أنني خيبت آمال عائلة بأكملها.

ورغم تفوقها في المراحل الدراسية، لم تستطع سعاد تجاوز توقعات الأسرة، لتتحول “البكالوريا” بالنسبة لها من امتحان إلى عقدة نفسية رافقتها لسنوات.

قصة سعاد، لا تحكى من باب الخصوصية، بل لأنها صدى للكثير من القصص التي لا تروى، قصص لطلبة تحول الامتحان في حياتهم من محطة عبور، إلى عقبة نفسية قد تعيق مستقبلهم.

وتختصر سعاد تجربتها بقولها: لم يكن أصعب ما في البكالوريا هو الدروس أو المواد، بل أصعب ما فيها هو أنني كنت أحمل على كاهلي حلم عائلة بأكملها، وعندما فشلت، شعرت أنني انهرت أنا وكل من أحبني.

بالطبع، يحول هذا الواقع الاجتماعي البكالوريا من خطوة تعليمية يفترض أن تكون طبيعية إلى طقس مجتمعي معقد، ما يزيد من معاناة الطلبة النفسية، ويعمق من “عقدة النجاح”، التي عانت منها سعاد وربما الكثيرين غيرها.

وهنا، بدل الاستعداد الجيد لتعزيز فرص النجاح، يقع الطالب تحت تأثير الضغط، ومآلات الرسوب وتأثيراتها على عائلاتهم، وبالأخص أولياء الأمور، إذ كثيراً ما نسمع على لسان طلبة البكالوريا عبارات مثل: “أريد أن يفرح أهلي ويفتخروا بنجاحي”، ما يزيد من حدة توترهم، فالنجاح لم يعد شخصياً وإنما أصبح أسرياً ومجتمعياً أيضاً.

مثال حي

لا شك أن امتحانات “البكالوريا” من المراحل المهمة في حياة السوريين، وفيها تتنوع وتختلف أهداف الطلاب، إلا أن الملموس العلمي يشير إلى أن عوامل اجتيازها ترتبط برغبات الطلبة وقدراتهم في أداء الامتحانات، وما نلاحظه كل عام من حالات رسوب لدى البعض، تدخلهم في دهاليز القلق والمرض النفسي تحديداً.

تعتقد “آمال” أن إجاباتها في الامتحان عرضتها للحصول على درجة متدنية، وهي لم تكن متكافئة مع ما بذلته من جهود. هذه الحالة جعلتها تشعر بالخوف والقلق، بل تعدى الأمر إلى تضرر حالتها النفسية والإدراكية التي تأثرت كثيرا، خاصة بما يدور حولها، وجعلها بحالة شدة وضغط لأشهر طويلة.

وتضيف: ليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل تعداه لجعل العائلة كلها مشغولة بوضعي. ليست لدينا إحصاءات دقيقة لتفاصيل هذه الحالات، ولكن واقع الحال لا يشير إلى تحقيق كامل الأمنيات في الإعادة فالتقدم والتراجع احتمالات قائمة وقد تصيب او تخيب، ومن المؤسف أن نرى توجها لبعض الطلبة أو عوائلهم، كما هو حال آمال، أن عدم الحصول على درجة تؤهلهم للقبول في الاختصاص المطلوب بمنزلة إخفاق.

ضغوط من نوع جديد في عصر التقنية دخلت وسائل التواصل الاجتماعي على الخط، مساهمة في تضخيم مشاكل هذا الامتحان، من خلال استخدام عبارات من قبيل “امتحان مصيري”.. “يكرم المرء أو يهان”.. “يذوب الثلج ويبان المرج”.. ما أضفى عليه هالة تزيد من التوتر. كما يلاحظ كثافة المنشورات التي تروج لاستهلاك مشروبات الطاقة والمكملات الغذائية لتعزيز التركيز، ما يعكس حجم الهوس الاجتماعي بهذا الامتحان.

من الناحية التاريخية، ارتبطت “البكالوريا” في سوريا بتحولات وطنية كبرى، في حين كانت البكالوريا قبل الاستقلال مرتبطة بالنظام التعليمي الفرنسي، فقد أصبحت بعده جزءا من نظام وطني يعكس طموحات الاستقلال، وهو ما جعل منها “شهادة للتحرر والنهضة”.

لكن اعتبارا من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بدأت النظرة تتغير تدريجيا، إذ تحول الفشل في الامتحان إلى “وصمة”، وصار النجاح ضرورة لا تقبل التراجع، ما خلق ضغطا غير مسبوق على الطلبة وأسرهم.

نجاح بأي ثمن؟

يرى الاختصاصي حيدر السلامة أن هذه النظرة إلى البكالوريا نتجت عن ربط النجاح ودرجاته باختصاصات أكاديمية أخذت مكانة اجتماعية واقتصادية، مثل المهن المرتبطة بالتخصصات الجامعية كالطب والهندسة، جعلت من البكالوريا بوابة إلزامية لتحقيق هذه الطموحات، من دون الالتفات إلى بقية الإمكانيات الفردية أو تنوع مجالات الحياة.

ويضيف: النجاح الحقيقي لا يجب أن يختزل في الشهادة فقط، فالحياة مليئة بفرص أخرى، والنجاح الأكاديمي هو مسار من بين مسارات كثيرة.

ما بين قصص شخصية مؤلمة، وضغوط أسرية ومجتمعية متراكمة، وموروثات ثقافية متجذرة، تبقى البكالوريا في سوريا أكثر من مجرد امتحان، هي مرآة لحالة مجتمعية تحتاج إلى إعادة نظر، تعيد التوازن بين طموحات الأسرة وقدرات الفرد، وتعيد للامتحان قيمته الأكاديمية، لا الرمزية المفرطة، وربما آن الأوان لفك “قداسة الشهادة” وإعادة الاعتبار للطالب كإنسان، له الحق في أن يحاول، أن يفشل، وأن ينجح بطريقته الخاصة.

آخر الأخبار
إغلاق بعض المخابز الخاصة  في طرطوس لمخالفاتها   الشيباني يتسلم نسختين من أوراق اعتماد سفيري موريتانيا والجزائر لدى سوريا الدبلوماسية السورية تنظف بيتها الداخلي      انطلاقة صندوق التنمية السوري.. محطة وطنية لرسم مستقبل جديد  الجيش يتصدى لمحاولة تسلل مجموعة من “قسد” إلى نقاط بـ"تل ماعز" ويوقع أفرادها بكمين محكم تعزيز التعاون الزراعي مع أبخازيا حين تُصبح الوطنية تهمة.. البلعوس مثالاً المعرض مساحة اختبار.. والزوار شركاء في صناعة النجاح الطلاق النفسي في البيوت السورية.. أزمة خفية بصوت عالٍ تجهيزات متطورة وكادر متخصص..افتتاح قسم الحروق في مستشفى الرازي بحلب الاختفاء القسري في سوريا.. جرحٌ مفتوح يهدد أي سلام مستقبلي لا دورة تكميلية هذا العام..وزارة التربية تحسم الجدل.. والطلاب بين القبول والاعتراض الصناعة السورية تتحدى الصعوبات.. والمعرض يفتح آفاقاً للتصدير ازدحام خانق إلى أبواب معرض دمشق الدولي.. التدفق الجماهيري يصطدم بعقدة التنظيم بمبادرة خيرية.. افتتاح مركز الفيض الصحي في جبلة أردوغان: نعزز تعاوننا مع سوريا بشتى المجالات تحيز (بي بي سي) تجاه غزة ينتهك واجبها الصحفي "سوريا تستقبل العالم".. إشارة رمزية للانفتاح والاستقرار من الانقطاع إلى الانطلاق.. صناعاتنا الغذائية في معرض دمشق الدولي من الأردن.. مشاركات تتميز بشمولها واختصاصات نوعية في "دمشق الدولي"