سيكولوجيا سبينوزا ترويض الحظ والخوف

ملحق ثقافي..حاتم حميد محسن:

يسعى هذا الكتاب الطموح لعرض تفسير لرؤى سبينوزا في السياسة مثلما تحدث في الواقع، خاصة في الأخلاق التطبيقية، والرسالة الثيولوجية السياسية (TTP) والرسالة السياسية (TP). من بين العديد من الكتب التي صدرت أخيراً حول سبينوزا، يُعتبر كتاب جوستن ستينبيرغ من الكتب الهامة التي عرضت موضوعات سبينوزا السياسية بشكل عام بدلاً من التركيز على عمل معين. الكتاب أيضاً هام بالنظر للإحاطة الأكاديمية الواسعة للكاتب. ستينبيرغ يشير إلى الأعمال التي أثّرت على سبينوزا، وإلى الفلسفة التاريخية ذات الصلة والنظرية السياسية. هذا الاتساع يثري جدال الكتاب ويجعل العمل سهل الفهم وجذاباً لمختلف أنواع القرّاء.
يؤكد ستينبيرغ على ادّعاء سبينوزا، في بداية الرسالة السياسية، بأن سياسته هي محاولة لبناء نظرية للكائن البشري كما هو، وليس كما يريد الآخرون أن يكون (6-7). هذا الموقف يوضح ويبرر اهتمام ستينبيرغ بسيكولوجيا سبينوزا. كتاب الأخلاق يعرض في الأساس، وصفاً مفصلاً لطبيعة الكائن الإنساني )1)، وأن الرسالة السياسية خصوصاً تستفيد مباشرة من ذلك الوصف. الفقرة 1.5 من الرسالة السياسية، التي يشير فيها مراراً إلى سيكولوجيا الأخلاق، هي دليل قوي على ذلك. الرسالة الثيولوجية السياسية هي موقف أكثر صرامة، وهو ما سنشير إليه في عدة أماكن لاحقاً. بالرغم من الصعوبات التي واجهت الكاتب، لكننا نعتقد أن ستينبيرغ نجح في الفصل السابع في أن يبيّن للقراء الكيفية التي انسجمت بها كلا الرسالتين.
المفهوم المركزي لجدال ستينبيرغ هو مفهوم الموهبة الفطرية ingenium (2). الموهبة بالنسبة إلى سبينوزا هي مجموعة من الميول العاطفية التي تكوّن شخصية الفرد. لكي نتعامل مع الكائن البشري كما هو يجب أن نفهم موهبته الفطرية والطرق التي تؤثر بها الهياكل السياسية والتفاعلات على تلك الموهبة. بالنسبة إلى سبينوزا، هناك بالتأكيد مختلف الطرق التي يكون عليها الكائن الإنساني، اختلاف يتحدد فقط بعدد المشاعر المختلفة وبمختلف الاشياء المرتبطة بكل واحدة من تلك المشاعر. ظروف الفرد الحالية تقرر أي المشاعر (الرغبات والعواطف) تميزه حالياً، وكيف يتحرك بمشاعر مختلفة. الدولة، بالطبع تُعد هامة من بين تلك الظروف.
يؤكد الكاتب – وهو كما يبدو صائباً تماماً – أن سبينوزا يتصور الدولة كوسيلة لتحسين حياة المواطنين. إذا كان سبينوزا لم يأخذ الكائن الإنساني كما يريده هو أن يكون، فهو مع ذلك يجعله هدفاً للدولة لجعله كما يريده هو.
واقعية سبينوزا السياسية – التي وُضعت مقابل الخلفية النظرية للموهبة الفطرية – تطورت لاحقاً لتعبّر عن جهد لفهم الكيفية التي تقرر بها مختلف أنواع الظروف الحالية حياة المواطنين، وكيف يمكن للدولة في كل نوع من الظروف أن تجعل بإمكان المواطنين أن يصبحوا أفضل حالاً. يجادل ستينبيرغ بأن سبينوزا يؤمن باستمرار أن الدول الأكثر ديمقراطية تخدم مواطنيها بشكل أفضل.
الكتاب جرى تنظيمه بشكل جيد. كل فصل يدافع ويتوسع وفق هذه الرؤية الأساسية بوسائل من الأطروحة الواضحة والحجة المستقلة. وإذا كان الكاتب يستفيد من نتائج الفصول السابقة، فهو يعود مجدداً إلى نقاشات ملائمة. هناك خلاصة في كل فصل وملاحظات نقدية حول كل ملخص.
الفصل الأول هو دفاع عن تفسير سبينوزا للموهبة الفطرية مع اهتمام خاص بالسياسة. ادعاؤه المركزي هو أنه، بالنسبة إلى سبينوزا، فعالية الأشياء المتناهية تتحدد بمشاعرها، وأن الهياكل السوسيسياسية تؤثر على الموهبة الفطرية للكائن البشري الذي يعيش ضمن تلك الهياكل. كل واحدة من هذه الادعاءات جرى الدفاع عنها بعناية، العديد من تفاصيل سيكولوجية سبينوزا بقيت مثيرة للجدل. هناك اثنان من الادعاءات التفسيرية في هذا الفصل مثيران بشكل خاص.
أولاً، يجادل الكاتب بأنه، بالنسبة إلى سبينوزا «المرء الذي لا يرغب في X أكثر من Y هو في الحقيقة لا يحكم أن X أحسن من Y» (22). ومع أنه قد يكون صحيحاً، لكن بالنسبة إلى سبينوزا المرء يمكن أن يحكم أن X أفضل من Y متى ما رغب بـ X أكثر من Y، ذلك لا يعني أنه لا يحكم أن تكون Y أفضل من X. أساساً، سبينوزا يؤكد فعلاً أن المرء يمتلك فكرتين مختلفتين حول شيء واحد (انظر E2,p 35 ) وهو أيضاً يؤكد بأنه لكي تمتلك فكرة حول X يعني فقط أن تحكم حول X (انظر مناقشة حول الصحون الطائرة في E2 ص 49).
ثانيا، يدّعي الكاتب أنه، بالنسبة إلى سبينوزا، أحكام القيمة هي مقاومة للتغيير(24). مثلما الرغبات المرتبطة بها، فإن أحكام القيمة تكون عصية على التغيير. أفكار سبينوزا حول العواطف، بما فيها التردد والحساسية المستمرة للعواطف الجديدة، يشير إلى أنه بالنسبة إلى العديد من الناس وفي أغلب الأوقات، يتوصلون باستمرار إلى أحكام قيمية جديدة، وهذا هو جزء من المشكلة.
في الفصل 2 يدافع الكاتب عن الرؤية، بالضد من جون بوكوك وآخرين، بأن سبينوزا ليس أخلاقياً طبيعياً. هو يعترف بأن سبينوزا يستعمل مصطلح الطبيعي مثلما يستعمل مفردات Jus,Lex,imperium وغيرها، لكنه يجادل بأن سبينوزا يقوم بهذا فقط لكي «يجردها من أهميتها المعيارية»(39). فكرة هذا الفصل ونتيجته الأكثر أهمية للجدال هي أن الالتزامات، الحقوق، والواجبات بالنسبة إلى سبينوزا تُفهم بعبارات من المنفعة أو المنفعة المتخيلة فقط. الفصل يُعتبر مساهمة واضحة وقوية لهذه النقاش، لأنه يطرح طريقة واضحة لفهم القضية قيد الدراسة. الكاتب يقترح أننا نستطيع فقط اعتبار سبينوزا أخلاقياً طبيعياً، لو أن المصطلح التقليدي يشير إلى شيء آخر غير نظرية المنفعة.
يرى المؤلف أن الأخلاقي الطبيعي يعتبر القانون الطبيعي مفروضاً علينا من جانب الله، لكن سبينوزا لا يتصور الله مانحاً للقوانين(3). هذا بالتأكيد يصح بالنسبة إلى سبينوزا في الأخلاق (E1APP)، وهي رؤية تستحق الاعتبار. إن TTP تعرض مشاكل للرؤية بأن أعمال سبينوزا تمثل عقيدة متماسكة واحدة. إن عقيدة الإيمان العالمي في الـ TTP الفصل 14، تتطلب باستمرار الإيمان بالله كموجّه وحاكم يجب طاعته.
الفصلان الثالث والرابع يتعلقان بالحرية. أطروحة الفصل الثالث هي أنه، وفقاً لرؤية سبينوزا، يجب على الدول تحرير مواطنيها قدر الإمكان. الكاتب يؤكد على أن سبينوزا يحدد الحرية والسلطة، يدافع عن الأطروحة بشكل جيد ضد النقاد الذين اعتبروا سبينوزا ليبرالياً كلاسيكياً.


في الفصل الرابع، يجادل ستينبيرغ أن سبينوزا يرسخ زراعة الأمل بدلاً من الخوف كوسيلة بواسطته تتمكن الدول من تحفيز نشاط مواطنيها، وهو يدافع عن التماسك الداخلي لهذه الرؤية. الفصل يُعد مساهمة قيّمة لفهمنا لسبينوزا. سبينوزا يبيّن حقاً تأكيداً واضحاً على الأمل وتوقعات أكثر استقراراً للخير والأمن أو الثقة، كعواطف تميز المجتمعات الجيدة. غير أن هناك تحفظاً واحداً وهو أن المؤلف ذهب بعيداً في اعتبار الولاء الديني devotion كنوع من الأمل (91). سبينوزا بالفعل اعتبر الولاء الديني كوسيلة سياسية هامة، خاصة في الـ TTP. في تفسيره للعواطف هو يميز بوضوح بين الولاء الديني والأمل. الولاء هو نوع من الحب ارتبط بالدهشة أو الاحترام الكبير. بعد تعريف سبينوزا «للولاء»، هو يكتب بأن العواطف الأخرى ربما أيضاً ترتبط بالدهشة، وهو يضع الأمل ضمن قائمة العواطف. الولاء، عندئذ ليس أملاً. إنه عاطفة مختلفة ذات قيمة اجتماعية.
في الفصل الخامس يجادل ستينبيرغ أنه وفقاً لرؤية سبينوزا، فإن الدولة تساعد المواطنين عبر التخفيف من عواطف الحظ. المؤلف يعرض جدالاً هاماً بأن توافقية سبينوزا – الرغبة في تعديل لغة المرء وسلوكه إلى توقعات المجتمع – والتي هي شكل عالي الخصوصية في أعماله المبكرة، هو أيضاً جرى التعبير عنه باهتمام الدولة الذكي بالموهبة الفطرية لمواطنيها. ببساطة تحويل التصورات العقلانية إلى قوانين، سوف لن يكون الطريقة الفعالة لمساعدة المواطنين.
يجادل ستينبيرغ في الفصل السادس بأن الـ TTP يمثل هجوماً منهجياً دائماً على السلطة الدينية والمؤسسات الفاسدة التي تنتجها تلك السلطة(130)(4). يتضمن الفصل توضيحاً مفصلاً ومقنعاً للأخطار التي يجدها سبينوزا في الكهنوتية. من غير الواضح لماذا سبينوزا يعتقد أن إعطاء سلطة دينية لصانع القوانين هو حل للأخطار التي ربما يرتكبها القساوسة. ستينبيرغ لم يحل هذه المشكلة. هو حقاً، في تأكيده على اهتمام سبينوزا بأخطار السلطة الدينية، يكون قد هيأ الظروف لتصور فعال لوحدة الـ TTP و TPفي الفصل القادم.
في الفصل السابع يدافع ستينبيرغ عن فكرة أن سبينوزا كان ديمقراطياً طوال اعماله المختلفة(164) وأن تفضيله للديمقراطية له أساس نفعي: إنها أحسن وسيلة لتحسين حياة المواطنين(173). في القسم 7.2 يجادل ستينبيرغ أن تصورنا الثابت عن أنفسنا يجعل المؤسسات الديمقراطية أكثر قدرة من غيرها على إعطاء الأمل والأمان. هذا التوضيح الأداتي لمساواة سبينوزا يتجاهل كثيراً الحجج بأن سبينوزا أخلاقي مساواتي. المؤلف يرى أن سبينوزا يعرض سياسة متماسكة كثيراً في TTP و TP.
القسم 7.3 يجمع كل من ألـ TTPوTP. فيه يجادل ستينبيرغ أن سبينوزا يعتبر الديمقراطية أحسن أشكال الحكومة باعتبار أننا من خلال الإجراءات الديمقراطية نصل إلى أحسن القرارات. الفصل السابع يقدم عدداً من الرؤى التفسيرية المثيرة للجدل، لكنها جذابة وجيدة بشكل استثنائي. إنه قلب الكتاب. أخيراً، في الفصل الثامن يجادل ستينبيرغ أن الدولة تساهم في تحقيق الخلاص والخير، وبعمل كهذا يحاول مرة أخرى أن يبين التماسك الكلي لرؤى سبينوزا. الأقسام الأولى من الفصل تقدم ملخصاً مفيداً عن التعامل الجيد للأخلاق. قسم 8.5 يقدم رؤية مباشرة عن دور الدولة في تعزيز وترسيخ الخلاص: إنها يمكن أن تمنع اضطراب المؤسسات الاجتماعية. يمكنها أن تعزز الأمن والأمل عبر تشكيل الموهبة الفطرية للمواطنين، وأنها يمكن أن تجلب الظروف التي بها يمكن بلوغ إمكاناتنا في المساعدة. ستينبيرغ يعرض حالة قوية متأسسة على خلفية من التاريخ والفلسفة والنظرية السياسية لإيجاد رؤية حول السياسة لدى سبينوزا. الكتاب بداية ممتازة لطلاب الدراسات العليا والباحثين في الفكر السياسي لسبينوزا.
كتاب السيكولوجيا السياسية لسبينوزا: ترويض الحظ والخوف، للكاتب جستن ستينبيرغ، صدر عن مطبوعات جامعة كامبردج في ديسمبر 2018 بـ 248 صفحة.

………….
الهوامش
(1) هناك ثلاثة ادّعاءات أساسية لسبينوزا في مجال الأخلاق وهي 1- كل الأشياء تأتي إلى الوجود وتعمل بالضرورة وفق قوانين الله الطبيعية. 2- الطبيعة لا تعمل نتيجة لغاية أو غرض. 3- الطبيعة دائماً وفي كل مكان هي ذاتها. هذه الادعاءات الثلاثة مجتمعة تعني أن السلوك الإنساني مثل سلوك أي شيء آخر، يستلزم ويمكن توضيحه كلياً من خلال قوانين الله في الطبيعة الثابتة. هذا يشكل جزءاً هاماً من الخلفية الميتافيزيقية التي طور بها سبينوزا نظريته السياسية. هذه الرؤية التي تتكون من ثلاثة افتراضات يمكن تسميتها بطبيعية سبينوزا، وهي الطبيعية التي قادته إلى تبنّي رؤية جريئة حول مصدر ومكانة الحقوق والالتزامات والقوانين التي ميزت أعماله عن تلك النظريات السياسية السائدة في القرن السابع عشر.
(2) مصطلح ingenium يعني الموهبة الطبيعية، مقابل الحكمة المكتسبة من الممارسة والتجربة، وهي تعتبر بصمة إلهية على روح الفرد عند الولادة.
(3) طبيعية سبينوزا تستبعد إمكانية الإله المتجاوز. أولئك الذين يعتقدون بالإله المتجاوز «يتصورون أن هناك قوتين متميزتين عن بعضهما، قوة الله وقوة الأشياء الطبيعية».. حسب تفسير سبينوزا. وبالنتيجة، كل الحقوق التي يرجع أصلها إلى الرغبة التشريعية هي زائفة. هذا يُعد هجوماً مباشراً ليس فقط على المدافعين عن الحق الديني للملوك وإنما على جميع السلطات ذات المصدر الديني. «القوانين وقواعد الطبيعة هي ذاتها دائماً وفي كل مكان»(E111preface)، «سواء يقاد الإنسان بالعقل أو بالرغبة فقط، فهو يعمل طبقاً لقوانين وقواعد الطبيعة»(TP2/5).
(4) تحتوي رسالة الـ TTP على الكثير مما يعرف بالنقد الإنجيلي. سبينوزا يرى أن الكتاب المقدس لا يتنافس مع الفلسفة كمصدر للمعرفة، ولا أن نصائح الكتاب المقدس تتنافس مع أوامر السلطات المدنية. عبر فصل الإيمان عن العقل وجعل دور الدين في الحياة العامة خاضعاً لسلطة الدولة، يكون سبينوزا قد حاول تطهير الدين من مظاهره الخرافية الخبيثة(الفصل13).

التاريخ: 25-6 -2019

رقم العدد : 17008

 

آخر الأخبار
معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق سرقة أجزاء من خط الكهرباء الرئيسي المغذي لمحافظتي درعا والسويداء الاحتلال يصعد عمليات الهدم والتهجير القسري في طولكرم ومخيمها إسبانيا وبولندا ترحبان بإعلان تشكيل الحكومة السورية "تجارة حلب" تختتم فعاليات مهرجان رمضان الخير وليالي رمضان مُحي الدين لـ"الثورة": نجاح الحكومة يستند إلى التنوع واختلاف الآراء والطاقات الشابة