رأي… رؤى فكرية..وســـــــؤال الثقافـــــــة الصعـــــــب.. ؟!

لطالما اعتدنا أن نلطم وجوهنا كلما رأينا الحجارة أمامنا, متجاهلين الحفر التي أحدثناها, والخنادق التي حفرناها في طريقنا بأيدينا ثم نتباكى ونكثر الاتهامات!..
فالمثقف يمتلك الفطنة والبراعة, في تحويل الأنظار عن أصابع الاتهام إلى صدره, لأن لديه ما يكفي من العدة والعتاد اللغوي والمعنوي والبياني الذي يصور من خلاله نفسه على أنه الضحية التي ساقتها الأقدار إلى مجتمع متخلف, واحتجاجا منه على وجوده, سينأى بنفسه, ويتنحى جانبا.
والمبررات التي سيقدمها كثيرة..
لكن الحقيقة أن ميله والتزامه الصدقية تضحدها بالفعل ؟
فمحبته للحقيقة, وتمسكه بالإخلاص والحرص على النهوض بمن حوله والقيام بمسؤولياته في الدفع بهم نحو الأفضل ينبغي أن تكون الهدف الذي لن يتخلى عنه أيا كانت المبررات.
وبصراحة أوسع, فإن مثقفنا اليوم يرى العيوب في كل محيطه, لكنه ينسى أو يتناسى نفسه.
فهو الذي أصيب قبل غيره بما يمكن تجاوزا أن نسميه (داء الطفو), وعشق الظهور والانتشار والشهرة, بصرف النظر عن حجمه المعرفي, وقبل بلورة أدواته الثقافية, ومنهجه الفكري والعلمي الذي سيشكل مساره لابل وقبل أن ينشئ خطابه الذي سيقدم نفسه من خلاله.
ولعل هذا التعجل لديه, مرده ضعف شعوره وإحساسه بمسؤولياته, في مهمة التصدي لقضايا المعرفة والتثقيف, وقيادة المجتمع, قيادة حقيقية فعالة تأتي بصفتها استحقاقاً طبيعياً ٱنذاك.
وربما ساهم الإعلام بكل وسائله وأدواته مسؤولية في ذلك تعجل المثقف نفسه, وذلك بسبب الإغراءات الكثيرة التي أصبح يقدمها لما يمكننا تسميته بالمثقف غير مكتمل الأركان, فيجعله يتصور نفسه على أنه أمسى شخصية عامة, ونجما إذاعيا وتلفزيونيا, ورائدا تملأ مقالاته أعمدة الصحف والدوريات.
والمشكلة أن صانع الخطاب الثقافي اليوم, إذا كان ناجحا فإنه يستطيع أن يؤثر بالملايين من الناس, ويستطيع أن يشكل لديهم اتجاها ثقافيا وتيارا يحاكي رغبات الناس عن بعد, فيضللهم ويوقع بهم بدل أن يأخذ بهم إلى جادة الحقيقة والصواب, ثم يكتشف نفسه بعد نضجه واكتمال ملامحه ورسالته أن خطابه الثقافي لابد له من التعديل وإعادة الصياغة, وربما بناء خطاب ٱخر أكثر نضجا وأبلغ جدوى, فيقع في دوامة التكذيب.
ولن يتمكن والحال على ما كانت من إعادة الناس الذين تبنوا خطابه إلى الجديد فيه, بل ستنشأ من قلب تياره الثقافي شخصيات جديدة وأسماء جديدة, تبعده وتتهمه, وتأخذ دوره, وهذه الشخصيات والأسماء ستشكل خطورة أدهى وأمر, لأنها بطبيعة الحال ستكون أقل معرفة ونضجا..
إن انشغال المثقف بالناس وانتشاره بينهم يحرمه من ناحية من الدرس والتأمل والتفكير والتحصيل الإضافي, ما يجعله مستهلكا من ناحية ثانية, وكم من مثقف كان همه الأدب والشعر, فإذا به يتحول فجأة إلى الانشغال بغير همه ورسالته وتخصصه, فيتصدر للشغل في السياسة والتنمية, ونحن هنا لا نشكك في مشروعية التحولات الثقافية, لأنها استمرار طبيعي للتراكم المعرفي لديه, ولكن هذه التحولات لا ينبغي أن تتم على حساب أصحاب التخصص من المفكرين والسياسيين, فيأتي الشاعر ليحل محل العالم والفيلسوف والاقتصادي بدوافع انتهازية ومصلحية تجعل من حراك المجتمع وتقدمه أمرا معقدا, إذا لم نقل أنها ترمي به في مستنقعات التناقضات والمتاهات الصعبة.
هذه بعض ملامح مشكلاتنا الثقافية, من خلال بعض ملامح مثقفنا نفسه, والحقيقة, أن الطفو والظهور والانتشار سيكون استحقاقاً طبيعياً لو تمهله المثقف واستمهله, وإذا ما وجد نفسه مغمورا بالأضواء, فإن عليه أن يتعلم كيف يخطو خطوة إلى الوراء, خطوة مهمة له يبقى من خلالها على تواصل حيوي مع مصادره المعرفية والثقافية التي ليس لها حد أو أفق.
و لأن هذه الخطوة الخلفية, تسعى بالمثقف دوما إلى المزيد من المعرفة, والثقافة, في أن انقطاعها, يؤدي إلى انغلاق المثقف على نفسه, وربما يدعي ٱنذاك أنه امتلك الحقيقة, في حين أن المثقف الحقيقي هو الذي يعي ويدرك قبل غيره, أنه جزء من الحقيقة المعرفية.
عبد المعين زيتون

التاريخ: الجمعة 25- 10-2019
رقم العدد : 17107

 

آخر الأخبار
شركات تركية: معرض دمشق الدولي تظاهرة حضارية اقتصادية الاعتداءات الإسرائيلية.. سياسة ممنهجة لتقويض دور دمشق وإرباك الإقليم  تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان: مأساة المختفين قسراً مستمرة رغم سقوط النظام  لأول مرة.. شركات وساطة مالية في معرض دمشق الدولي مشاريع مستدامة عبر مجموعة شركات سورية- تركية في "دمشق الدولي" "دمشق الدولي".. فرصة لتبادل الخبرات ورسالة ذات أبعاد اقتصادية مشاركة نوعية بمعرض دمشق الدولي لصناعة تجفيف الفواكه  في ذكرى ضحايا الاختفاء القسري..   أم كمال تروي ل " الثورة " مأساتها بفقدان أربعة من أولادها      المرأة شريك في البناء..  ميساء دهمان: معرض دمشق فرصة رائعة لبداية جديدة    تمكين الفئات الأكثر احتياجاً ودعم الأسر الريفية بمعرض دمشق الدولي مجموعة العملاق الصناعية الأردنية: سوريا شريان العرب والمعرض محفز للصناعيين والتجار    "ريف دمشق بخدمتكم" تواصل تحسين الخدمات في قطاعي النظافة والمياه تركيب محولة كهرباء في محطة مياه جديدة عرطوز إقبال واسع تشهده منتجات المرأة الريفية في معرض دمشق الدولي "إسرائيل " تواصل حرب الإبادة .. و"الأونرا " تجدد مطالبتها برفع الحظر على إدخال المساعدات      مقتل جندي للاحتلال وفقدان أربعة في غزة..   "إسرائيل" تواجه أحد أعقد المواقف منذ طوفان الأقصى    "الصليب الأحمر": مصير المفقودين في سوريا يتطلب تعاوناً جماعياً  وارن تؤيد تخفيف قيود التصدير إلى سوريا وتصف الخطوة بـ"المهمة" لإعادة الإعمار  السودان في معرض دمشق ..  معروضات تحاكي التقاليد والأصالة     استعداداً للعام الدراسي.. صيانة وترميم مدارس في عدة محافظات