الثورة أون لاين – أديب مخزوم:
أربع خريجات جدد من محترفات كلية الفنون الجميلة في دمشق ـ 2020 هن (لين خلوف ولمى بارة ولمى الجوجو ولمى حمادي) جمعهن معرض مشترك، في ثقافي أبو رمانة، تحت إشراف الفنانة التشكيلية أ. رباب أحمد مديرة المركز، ولقد تفاوتت الأعمال بين التصريح والتلميح، وبين التشخيص والتجريد، والتقت المشاركات على تقنيات الألوان الزيتية والكولاج.
تنطلق (لين خلوف) من التجريد اللوني، ومن ثقافة فنون العصر قبل أي شيء اخر، رغم أننا رأينا بعض التشخيص التبسيطي في بعض القصاصات الورقية التي رسمتها، وألصقتها على سطح اللوحة بطريقة الكولاج، وهكذا تحتفظ بروحية بعض العناصر في لوحاتها التشكيلية، أي يغيب الشكل وتبقى روحه المعبرة عنه. ولقد تحررت من ثوابت ومرتكزات نزعة تصويرية واقعية وكلاسيكية، حتى قبل تخرجها من المحترف الأكاديمي الجامعي.
وتبدو لين مرتاحة في استخدام اللون الزيتي إلى جانب الكولاج، بل تبدو أكثر تحكماً بإبراز تداخلات وتجاورات ولمسات هذه المادة وإضاءاتها وحركاتها التي تذكرنا بالأجواء الشرقية (قماش، بسط، سجاد..) مع الإبقاء على حركات التأليف اللوني العفوي الانفعالي(نسبة إلى رائده هانزهارتونغ) فهي تختصر العناصر الى مساحات لونية مبسطة وعفوية إلى أبعد حد، ولقد اقتصرت في أحد أعمالها على ثلاث مساحات واسعة متجاورة بألوان متنوعة، وتكثف المساحات أحياناً أخرى بحيث تشغل كامل مساحة اللوحة. وهذا يعني أنها لا تتوقف عند حدود معينة في معالجة المادة والمساحة، وإنما تنتقل من معالجة إلى أخرى، وتصل أحياناً إلى إضفاء المزيد من الصفحات بطريقة “الكولاج” ثم تعمل على تحريك القصاصات الورقية الملصقة بإضافة لمسات وحركات وتشكيلات لونية عليها أو على بعض مساحاتها، وهذا يساعد في اكتشاف حساسيات بصرية مختلفة ومتفاوتة.
من ناحية أخرى تتعامل مع إيقاعات الألوان المتحررة بعفوية بارزة، تحمل ملامح وأجواء شرقية مستشفة من الذاكرة، ومن التراث الصوفي، من خلال إبراز رمزية اللون وصراحته بشاعرية مرهفة مفعمة بحب الحياة، وبالتالي فهي تصل إلى فسحات بصرية تعبيرية مريحة لعين المتذوق، تؤكد مدى اختمار علاقتها بلوحاتها المتجهة نحو المزيد من التجريد والاختزال والتتابع البصري الإيقاعي والروحاني.
وتمتلك (لمى بارة) القدرة على اختزال عناصر الطبيعة والزهور والأشكال الصامتة وغيرها بطريقة التقطيع الهندسي (دوائر وأقواس ومثلثات وخطوط مستقيمة..)
وهذا يعيدنا إلى منطلقات التشكيل التكعيبي والتجريد الهندسي، ضمن معطيات الفن الحديث والمعاصر، مع إعطاء أهمية للون الموحد ضمن المساحة، وبهذا تختلف أيضاً عن زميلاتها، اللواتي يعملن على تخطي صفاء المساحة.
وهي بذلك تعمل على إيجاد نوع من الموازنة والمواءمة بين الجانب التعبيري المتمثل بتبسيط الأشكال الواقعية، وبين الجانب التجريدي الذي تعمل من خلاله على معالجة المساحات الهندسية للوصول إلى إيقاعات اللون أو ما يسمى بموسيقا اللوحة وتقاسيمها المرئية المسموعة بالعين، انطلاقاً من مقولة لبول كلي “يجب أن نعود العين على الإنصات إلى اللوحة”. وهي في ذلك تدرس المساحات اللونية والأشكال والمادة، التي تعمل عليها للوصول إلى درجة من التوازن التكويني والتشكيل اللوني اللذين تبدو فيهما أكثر تحكماً وثقةً في بناء اللوحة. وهذا يعني أن لوحاتها زاخرة بعناصرها التكعيبية والتجريدية بآن واحد، القادمة من معطيات وثقافة فنون العصر، ومن وقائع رؤية بعض مشاهد ومعطيات الواقع، وبذلك فهي تستمد من تأملات الأشكال الواقعية قوة الاختزال والتنويع والتجريد والتكعيب.
وتبدو (لمى الجوجو) أكثر قرباً من الصياغة الواقعية من زميلاتها، وهي وإن كانت تلتقي مع بعض منطلقات المدرسة التعبيرية في الرسم، إلا أنها تفترق عنها لجهة إضفاء المزيد من الرقابة
العقلانية في خطوات تحديد خطوط الوجوه والعناصر الإنسانية، وابتعادها عن وضع الألوان المباشرة والصريحة، والتركيز على الألوان الترابية وتدرجاتها وإيقاعاتها. وبالرغم من العفوية، التي تضفيها على اللوحة، فهي لا ترضى عن لوحتها بسهولة، وإنما تجعلها قائمة على سلسلة من خطوات الحذف والإضافة والتأنق. ويبدو المشاهد أكثر تفهماً لرسوماتها، لأنها تبقى في إطار الصياغة الواقعية الحديثة.
وهي تمتلك القدرة على تطوير تجربتها، وإيجاد خطها التصاعدي الأسلوبي، ولا سيما أنها تحب عملها ومنطلقة في رحاب البحث التشكيلي، القائم على رسم المرأة بوضعيات وحركات مختلفة، وبذلك فهي تبتعد كل البعد عن الصياغة التسجيلية السهلة، التي يمكن الوصول إليها بطرق متعددة، بعكس أسلوبها العفوي في تحريك الخطوط بحيوية لافتة، وفي وضع مساحات ولمسات اللون، وما تقدمه يحتاج لموهبة وحساسية بصرية واطلاع على بعض توجهات الفن الحديث، ولا سيما الواقعية الجديدة.
هكذا يطل الرسم الواقعي الحديث، في لوحاتها مع إضفاء لونية متداخلة بحرية وعفوية، وخاصة في خلفيات اللوحة، وهي تقدم في النهاية لوحة واقعية أو تعبيرية متمكنة تتخطى الرؤية التقليدية، وتؤكد مهارتها التشكيلية بإضافة الحركة والحيوية في فراغ السطح.
وتركز (لمى حمادي) على الوجوه والأبنية الحديثة والعناصر التراثية والقديمة، ولقد عمدت إلى كسر شكل اللوحة في أحد أعمالها، وهذا يعيدنا إلى الفن التركيبي أو الدادائي أو التجميعي،
وفي بعض أعمالها تبحث عن مناخات مختصرة لتكاوين الأشكال الإنسانية والمعمارية والعناصر الأخرى، الشيء الذي شكل في لوحاتها هواجس لاختبار الإيقاعات التشكيلية المتداولة في الفن الحديث، والقائمة على إلغاء الثرثرة التفصيلية، وإعطاء أهمية قصوى للإيقاع اللوني العفوي، من خلال إضفاء المساحات الهندسية أحياناً، التي تحدد شكل النافذة أو العمارة الحديثة، والتلاعب بسطح اللوحة بإيجاد تضاريس المادة وخشونتها من خلال التنفير الذي تجعله أساسياً في إحدى لوحاتها. لكن ما هو بارز في هذه الانفعالية هو ابتعادها عن العبثية والعشوائية، إذ إن التكوين العام للوحتها يبقى مدروساً وملطفاً، رغم كل العفوية والتحرر اللوني، فمن تبسيطية الشكل واللون، واختصاره أحياناً إلى التلوين الأحادي أو الثنائي، ومن اللون الذي يحقق شفافية، إلى الأعمال الأخرى التي تعتمد على غنى اللون وإبراز غنائيته وكثافته، وصولاً إلى تنفير اللطخة اللونية.