الثورة اون لاين – فاطمة حسين:
وضعت وعاء الجبنة أمامها وجلست في مقعد خلف السائق ، أمسكت هاتفها المحمول وراح صوتها يعلو وهي تجادل الطرف الآخر، يبدو أن هناك مفاوضات تدور حول سعر شيء ما، بدت هذه السيدة منفعلة وهي تقول له لا مجال لتخفيض السعر عن المبلغ الذي طلبته وهو 4500 ليرة سورية وهو سعر الكيلو الواحد من” تنكة الجبنة ” وبدأ الآخر بالترنيمة المعتادة قائلا :إن كيلو العلف غال جدا بالكاد نستطيع تأمينه.
وتابعت هذه السيدة حديثها على رنين هاتفها الذي لا يتوقف، فهناك أكثر من 500 متعامل معها من أجل تأمين هذه المادة الضرورية .
أخذتني الأفكار إلى القرية الواقعة في الجبال المتنوعة، عندما قرر أبو ربيع وهو مزارع يملك أرضا يعتني بها ويزرعها بالمحاصيل الموسمية ويبيعها لتدر عليه ما تيسر من أرباح معقولة إذا توفق في ذلك الموسم وغيره فلا بأس فيه .
قرر الخوض بمشروع آخر يدر عليه ربحا ويعينه على الحياة إلى جانب مساعدة ابنه البكر في الخدمة العسكرية ومصاريف أخيه الأصغر في الجامعة. وقدم على قرض لشراء بقرة يعتاش وأسرته من خيراتها عن طريق مشروع صغير تؤمن التمويل لها مؤسسة تقوم بتمويل هكذا مشاريع فتعطيه مبلغا من المال لقاء الإقلاع بالمشروع ومن ثم يتم تسديد الأقساط بشكل منظم من العائدات التي تأتي منه وقد حذت حذوه عائلات أخرى أرادت الانطلاق بمشاريع أخرى مثل تربية الدجاج وبيع المنتجات المصنعة محليا لقاء مبالغ مناسبة .
إن مثل هذه المؤسسات التمويلية الصغيرة ، تؤمن الأسر وتعيلها باعتبارها مكفولة من قبل الدولة واستفادت منها الكثير من الأسر والعائلات، ووجدت فيها موردا مناسبا لها ليعينها على مصاعب الحياة وقد ازدادت هذه المصاعب في السنوات القليلة الماضية من ارتفاع الأسعار الذي بلغ حدا جنونيا لاسيما في هذه الظروف العصيبة حيث يقوم كل تاجر ببيع المواد وفق مزاجه , القابل للجشع والطمع ،وبالتالي لم يعد هناك رادع يردعه.
لقد كانت حياة المواطن السوري تسير على ما يرام وبشكل يحسدنا العالم عليه فلم تشكو أسرة من غلاء حتى في عز أيام الحرب الظالمة التي أتت على الأخضر واليابس ومع ذلك ظلت معيشة السوريين مقبولة إلى حد ما . فالمواد متوفرة بشكل كبير والخضراوات والفاكهة بكثرة في الأسواق، فيما البضائع تملأ المتاجر حتى لم يشك الناس من الغلاء لطالما الأسعار كانت طبيعية ومتاحة بيد الجميع فأبناء المجتمع السوري يعيشون ويتأقلمون في كل الظروف ويخترعون سبلا وطرقا تأتيهم بالمال فلا خوف على السوريين فأين ما وجدوا توجد معهم الأفكار الجديدة والمشاريع الهامة ليتركوا بصمة واضحة وأثرا طيبا حتى ولو كانوا خارج الوطن والدليل ما نسمعه عن المصانع التي أقامها بعض السوريين في بلدان الاغتراب القريبة والبعيدة .
فنحن السوريين لا زلنا نملك من القوة والتصميم الكثير ولاسيما في هذه السنوات العصيبة ..ولا شيء يدوم فهذه الأيام العصيبة ستمر ولن تترك وراءها أثرا وستقطع الأيدي الخفية التي تحاول النيل من لقمة المواطن السوري مهما كانت.. وستعود الحياة الطبيعية إلى سابق عهدها ..